الصفحة 110 من 194

وكان أصحاب الكهف هم الخيرين الصالحين ، ولكنهم لم يمكنوا في الأرض ، وكان الممكنون هم الطغاة الذين اضطهدوهم ، والذين ظل الخوف من جبروتهم كامنا في قلوب أهل الكهف ( ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ) (1) . إذ قالوا حين قاموا: ( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) (2) .

هنا سنة أخرى من سنن الله هي سنة الابتلاء:

( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (3) .

وغالبا ما يكون الابتلاء للتمحيص ، تمهيدا للتمكين بعد التمحيص .

( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) (4) .

ولكن يكون الابتلاء الشديد أحيانا لحكمة أخرى غير التمكين في الأرض ، هي إعطاء النموذج الفذ للتجرد الكامل لله ، والاستعلاء بالإيمان على كل قوى الأرض ، وكل متاع الحياة الدنيا ، ابتغاء الآخرة وحدها ، دون أيّ أمل في أيّ نجاح في الأرض .. وهو نموذج يربي الله به الأجيال المؤمنة لترتفع وترتفع وترتفع .. وتبلغ الغاية في الارتفاع .

وكلها سنن ، يجري الله منها ما يشاء حين يشاء:

( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) (5) .

ولكن حين يقدر الله التمكين للخيرين الصالحين ، حين يتخذون الأسباب الصحيحة للتمكين ، من العلم والعمل والعزم والمثابرة وعدم الوهن وعدم التخاذل وعدم التقاعس ، فإنه يخصهم بسنن خاصة لا ينعم بها على غير المؤمنين ، حين يقدر لهم التمكين في الأرض بما اتخذوا من أسباب .

(1) سورة الكهف [ 25 ] .

(2) سورة الكهف [ 20 ] .

(3) سورة العنكبوت [ 2 - 3 ] .

(4) سورة آل عمران [ 141 ] .

(5) سورة الرعد [ 41 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت