كلا ! لا علاقة للتمكين في الأرض"بالخيرية"بمعناها الإنساني ، القيمي ، الأخلاقي ، وذلك بصريح الآية التي تقرر أن الله يمد هؤلاء وهؤلاء - أي الخيرين والشريرين - من عطائه في الحياة الدنيا ، وبشهادة التاريخ ، التي تشهد"بالنجاح"الأرضي لكثير من الأوغاد !
يقول صلى الله عليه وسلم:"لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما أعطى الكافر منها شربة ماء" (1) ولكنها لا تساوي عنده جناح بعوضة ! .. ولذلك يتركها لكل من هفت نفسه إلى شيء منها !
إنما الخيرية لها معيار آخر ، يقترن - أو لا يقترن - بالتمكين !
والأصل في السنة الربانية أن الله يمكن للمؤمنين ، حين يتخذون الأسباب اتخاذا صحيحا ، ويتوكلون على الله حق التوكل ، ولا يتواكلون:
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ... ) (2) .
( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (3) .
ولكن الله - لحكمة عنده - قد يجري سننا أخرى ، لا يكون فيها الخيرون الصالحون ممكنين في الأرض ، بل يكون الممكنون هم الطغاة المتجبربن ، الذين يسومون المؤمنين العذاب .
لقد كان سحرة فرعون - بعد إيمانهم - هم الخيرين الصالحين ، ولكنهم لم يمكنوا في الأرض ، بل اجتثهم الفرعون الشرير اجتثاثا من الأرض ، فقتّلهم ومثل بهم ، وبقي هو متمكنا إلى حين .
وكان المؤمنون الذين أحرقوا عن بكرة أبيهم في الأخدود الخيرين الصالحين ، ولكنهم لم يمكنوا في الأرض وكان الممكنون هم الطغاة الجبارين ( الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ) (4) .
(1) أخرجه الترمذي وابن ماجة .
(2) سورة النور [ 55 ] .
(3) سورة الأنبياء [ 105 ] .
(4) سورة البروح [ 10 ] .