يترتب على هذه السنة - وهي مدّ المؤمن والكافر كليهما من عطاء الله ، وكون هذا العطاء في الدنيا مبذولا لمن أراد التحصيل منه ، وبَذَلَ الجهد اللازم له واتخذ الأسباب - يترتب على هذه السنة اعتبار هام بادئ ذي بدء ، هو أن النجاح والتمكين في الحياة الدنيا ليس في ذاته مقياسا للصلاحية ولا للخيرية ، ما دام يعطى للمؤمن والكافر على السواء !
وهذا مزلق من أشد المزالق التي تقع فيها العلوم الاجتماعية الغربية ، ويقع فيه - بالعدوى - كل من انجرف في تيار الغزو الفكري متأثرا بتلك العلوم ، والنظرة الكامنة وراءها ، ومتأثرا في الوقت ذاته بغلبة الغرب الحالية وانحسار الوجود الإسلامي إلى ما دون الحضيض !
النجاح والتمكين في الحياة الدنيا دليل مؤكد على شيء واحد - حسب السنة الربانية - هو أن أهله قد عزموا ، وقد أرادوا ، وقد اتخذوا الأسباب التي رأوها موصلة إلى الهدف المطلوب . ولكنه ليس دليلا مؤكدا على أي شيء وراء ذلك !
ليس دليلا على أن أصحابه ذوو منهج"إنساني"سليم ، ولا ذوو رقيٍّ أخلاقي ولا نفسي ولا حضاري ولا قِيَميّ .. بعبارة أخرى: لا علاقة له"بالخيرية".
والأدلة من التاريخ أكثر من أن تحصى !
فقد اكتسح التتار - في همجيتهم - بقاعا شاسعة من الأرض ، ودكوا حضارات كانت قائمة ، وأزالوا دولا ذات سلطان .. ولم يتهمهم أحد بأنهم كانوا يومئذ على شيء من الخيرية في أمر من الأمور !
وقد سادت الإمبراطورية الرومانية الأرض ردحا من الزمن غير قليل ، وهي قائمة على العسف والظلم والقهر واستعباد الآخرين واستغلالهم أسوأ استغلال .
و"الحضارة"الغربية الحالية هي وريثة الإمبراطورية الرومانية في عسفها وظلمها وتجبرها وطغيانها ، وإن انخدع عن هذه الحقيقة المنخدعون !