الصفحة 108 من 194

يترتب على هذه السنة - وهي مدّ المؤمن والكافر كليهما من عطاء الله ، وكون هذا العطاء في الدنيا مبذولا لمن أراد التحصيل منه ، وبَذَلَ الجهد اللازم له واتخذ الأسباب - يترتب على هذه السنة اعتبار هام بادئ ذي بدء ، هو أن النجاح والتمكين في الحياة الدنيا ليس في ذاته مقياسا للصلاحية ولا للخيرية ، ما دام يعطى للمؤمن والكافر على السواء !

وهذا مزلق من أشد المزالق التي تقع فيها العلوم الاجتماعية الغربية ، ويقع فيه - بالعدوى - كل من انجرف في تيار الغزو الفكري متأثرا بتلك العلوم ، والنظرة الكامنة وراءها ، ومتأثرا في الوقت ذاته بغلبة الغرب الحالية وانحسار الوجود الإسلامي إلى ما دون الحضيض !

النجاح والتمكين في الحياة الدنيا دليل مؤكد على شيء واحد - حسب السنة الربانية - هو أن أهله قد عزموا ، وقد أرادوا ، وقد اتخذوا الأسباب التي رأوها موصلة إلى الهدف المطلوب . ولكنه ليس دليلا مؤكدا على أي شيء وراء ذلك !

ليس دليلا على أن أصحابه ذوو منهج"إنساني"سليم ، ولا ذوو رقيٍّ أخلاقي ولا نفسي ولا حضاري ولا قِيَميّ .. بعبارة أخرى: لا علاقة له"بالخيرية".

والأدلة من التاريخ أكثر من أن تحصى !

فقد اكتسح التتار - في همجيتهم - بقاعا شاسعة من الأرض ، ودكوا حضارات كانت قائمة ، وأزالوا دولا ذات سلطان .. ولم يتهمهم أحد بأنهم كانوا يومئذ على شيء من الخيرية في أمر من الأمور !

وقد سادت الإمبراطورية الرومانية الأرض ردحا من الزمن غير قليل ، وهي قائمة على العسف والظلم والقهر واستعباد الآخرين واستغلالهم أسوأ استغلال .

و"الحضارة"الغربية الحالية هي وريثة الإمبراطورية الرومانية في عسفها وظلمها وتجبرها وطغيانها ، وإن انخدع عن هذه الحقيقة المنخدعون !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت