لقد انتقل الطغيان من المجال الروحي - الذي بدأ منه نتيجة خلو الدين من الشريعة وتمثله في العقيدة وحدها وما يتعلق بها من الأخلاقيات - فشمل كل مجالات الحياة واحدا بعد الآخر ، فأضاف إلى الطغيان الروحي الذي يحتكر الوساطة بين العبد والرب ، طغيانا ماليا يشمل العشور والإتاوات والتركات وسخرة العمل الإجباري في حقول الكنيسة يوم الأحد مجانا بلا مقابل ! وطغيانا فكريا يحرّم على العقل أن يفكر لكي لا يزيغ عن"العقيدة !"، وطغيانا سياسيا يخضع الأباطرة لسيطرة البابوات وأهوائهم وشهواتهم ، وطغيانا علميا يقف في وجه النظريات العلمية ، ويحرّق العلماء أحياء لأنهم قالوا بكروية الأرض ، وبأن الأرض ليست مركز الكون !
وذلك كله بالإضافة إلى فضائح الأديرة وفساد رجال الدين ومهزلة صكوك الغفران ومحاكم التفتيش ووقوف الكنيسة ضد حركات الإصلاح (1) !
ماذا كان يتوقع من الناس حين تصبح الأمور على هذا النحو ؟
ألم يكن منطقيا أن يتمرد الناس - بعضهم على الأقل - على هذا الدين ، وعلى الكنيسة ، أداة الطغيان الكبرى التي تذل الناس لسلطانها باسم الدين ؟!
بلى ! وقد وقع ذلك بالفعل ..
وخلال قرون متوالية احتدم الصراع بين رجال الدين وفئات متزايدة من المجتمع: العلماء و"المفكرين الأحرار"والأباطرة وغيرهم وغيرهم ، حتى حدث الانفجار المدوي في الثورة الفرنسية التي كان من بين شعاراتها: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس ! وظهرت"العلمانية"على السطح ، بمعنى إبعاد نفوذ رجال الدين عن مجالات الحياة المختلفة بدءا بالسياسة ، ثم الاقتصاد ، ثم الفكر ، ثم العلم ، ثم الأدب والفن ، ثم الأخلاق !
(1) اقرأ إن شئت فصل"الدين والكنيسة"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".