ولكن النصرانية التي نشرها بولس في أرجاء أوربا كانت عقيدة بلا شريعة ، إلا ما كان متعلقا منها"بالأحوال الخاصة"من زواج وطلاق (1) وعلاقات أسرية . وبقي التشريع المهيمن على الحياة في ربوع الإمبراطورية الرومانية هو القانون الروماني ، لا قانون السماء ، بكل ما في القانون الروماني من رق وإقطاع وطبقية وحرمان للمرأة من الكرامة الإنسانية .
وقد يكون مفهوما أن تعجز الكنيسة في قرونها الثلاثة الأولى عن تطبيق الشريعة الربانية لكونها نشأت في ظل الإمبراطورية الرومانية الطاغية ، ولم يكن لها عليها سلطان ، بل كانت منبوذة مطاردة مضطهدة . أما أن يستمر عدم تطبيق الشريعة ( إلا في ذلك المجال الضيق ، مجال الأحوال الشخصية ) بعد أن سيطرت الكنيسة سيطرة كاملة على الدولة بعد دخول قسطنطين في النصرانية في القرن الرابع ، فأمر غير مفهوم - لنا على الأقل - إذ كان الأباطرة خاضعين تماما لنفوذ رجال الدين لا يملكون أن يعصوا لهم أمرا فيما بين القرن الرابع والقرن الثاني عشر على أقل تقدير ، ولو أمروا بتطبيق الشريعة لطبقوها !
وحين يخلو الدين من التشريع ، ويصبح عقيدة فحسب ، فإن علماءه وفقهاءه يتحولون إلى"رجال دين"أي إلى"كهنة"، وسرعان ما يتحول الكهنة إلى وسطاء بين العبد والرب ، وتكون لهم قداسة ، ويكون لهم على قلوب الناس سلطان .. فيبدأ الطغيان !
وحدِّث عن طغيان الكنيسة الأوربية ولا حرج !
(1) تحرم الكاثوليكية الطلاق ولكنها تبيح التفرقة الجسدية بين الزوجين في حالة"الخيانة الزوجية".