الصفحة 105 من 194

إن السنن الربانية لا تفرض على الإنسان سلوكا بعينه . إنما تقول له إنه إذا اختار كذا فالنتيجة الحتمية لهذا الاختيار هي كذا . فهي تدع له حرية الاختيار ، ولكنها ترتب نتيجة معينة ، ثابتة لا تتغير ، على الاختيار الحر الذي يختاره . وهي من ثم تكرّم الإنسان إذ تدع له حرية الاختيار ، وتتعامل في الوقت ذاته مع العنصر"الإنساني"فيه - وهو الوعي والإرادة والحرية - فتقول له إنه مسئول عن عمله ، وعن النتائج التي تترتب على عمله ، لأنه اختاره بوعي وإرادة وحرية:

( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (1) .

( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (2) .

وفرق كبير بين حتمية السنن الربانية - على هذه الصورة المؤكِّدة لإنسانية الإنسان وإيجابيته - وبين الحتميات الزائفة التي أتت بها الجاهلية المعاصرة خاصة على يدي أكابر"علمائها"!

وإن الإسلام - بواقعه التاريخي - لهو الشاهد على كذب تلك الحتميات الزائفة كلها ، وصدق السنن الربانية ، وتكريمها للإنسان ، فليس في الإسلام شيء واحد يمكن أن ينشأ من الحتمية التاريخية ، أو الحتمية النفسية ، أو الحتمية الاجتماعية ، التي زعمها ماركس وفرويد ودوركايم ، إنما هو واقع قوم اختاروا الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ، فغيروا ما بأنفسهم ، فغيروا - بحول الله ، وبمقتضى سنن الله - كل الواقع المادي والاقتصادي والنفسي والاجتماعي الذي كان قائما في الأرض واستبدلوا به غيره !

شعور الناس هو الذي حدد وجودهم على عكس ما قال ماركس .

ارتفاع مشاعر الناس عن الحيوانية الغريزية هو الذي جعل منهم أكبر طاقة بانية معمرة في التاريخ ، على عكس ما قال فرويد .

(1) سورة الشمس [ 7 - 10 ] .

(2) سورة الزلزلة [ 7 - 8 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت