الصفحة 104 من 194

وأما ما يتصل بوضع الإنسان في الحياة ، فإن حتمية السنن الربانية تختلف اختلافا جذريا عن الحتميات الزائفة التي أتت بها الجاهلية المعاصرة خاصة ، سواء الحتمية المادية أو الحتمية التاريخية التي اصطنها ماركس ، أو الحتمية النفسية التي اصطنعها فرويد ، أو الحتمية الاجتماعية التي اصطنعها دوركايم ، والتي تلغي إيجابية الإنسان إزاء الضغوط الواقعة عليه من خارج كيانه أو من داخل كيانه ، وتجعله عبدًا ذليلا خاضعا للأوضاع المادية ، أو لضغط الشهوات ، أو لضغط المجتمع ، في الوقت الذي يرفض فيه أن يكون عبدًا لله !

إن هذه الحتميات الزائفة تلغي في الحقيقة"إنسانية الإنسان"المتمثلة في الوعي والإرادة والحرية التي بثتها نفخة الروح في قبضة الطين ، وترده قبضة طين خالصة ، أو على الأكثر حيوانا قريب الصلة بقبضة الطين .

ماركس يقول صراحة إن وجود الناس ( يقصدهم وجودهم في طور مادي معين ) هو الذي يعين شعورهم ، وليس شعورهم هو الذي يعين وجودهم ، ومن شذ - بشعوره أو سلوكه - سحقته عجلة التطور الحتمي !

وفرويد يقول صراحة إن مخزون اللاشعور - الجنسي في طبيعته - هو الذي يشكل للإنسان سلوكه ، ولا معدى للإنسان عن طاعته ، فإن خرج عن طاعته أصابته العقد والاضطرابات النفسية والعصبية !

ودوركايم يقول صراحة إن"العقل الجمعي"هو الذي يشكل للأفراد عقائدهم وأفكارهم وأنماط سلوكهم ، من خارج نفوسهم ، ودون إرادة منهم ، ولا يملك الفرد مخالفته ، ولا حيله له إلا اتباعه !

وكلها - كما ترى - حتميات تلغي الوجود الحقيقي"للإنسان".

وعالم الاجتماع المسلم عليه أن ينبه إلى زيف هذه الحتميات كلها ، ويبين في الوقت ذاته معنى حتمية السنن الربانية ، والفرق الهائل بينها وبين الحتميات الزائفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت