ومن الفوائد الأخرى التي نتوقعها من وراء نشر هذا التفسير أنه سيعرض على قارئه صورة واضحة لعلاقة القرآن بالحديث وعلاقة الحديث بالفقه وعلاقة ما بين المذاهب الفقهية المتعددة، ويزيل عن ذهنه كثيرًا من الشبهات التي قد أثارها اليوم منكرو السنة النبوية حول مكانتها في التشريع الإسلامي، فإنه سيرى فيه كيف أن السنة تشرح القرآن وكيف أن الفقهاء يأخذون الأحكام من القرآن والسنة ثم يرتبون لها التفاصيل العملية مستعينين في ذلك بقواعد الإسلام العامة ومقتضيات العقل السليم، كما أنه سيرى -إلى هذا- أن الاختلافات التي توجد بين فقهاء الإسلام لا تختلف في حقيقة أمرها عن تلك الاختلافات الفطرية في باب التحقيق والفكر والبصيرة، التي تنشأ للناس بطبيعة الحال في محاولتهم لفهم ألفاظ كل قانون وتحديد الغاية المقصودة من وراء ما فيه من الأشباه والنظائر وتطبيقها على مسائل الحياة العملية وشؤونها المتشعبة المتنوعة، وأن هذه الاختلافات لا علاقة لها أبدًا بذلك التفرق الذي قد نهى عنه القرآن وشدد عليه النكير، ولا عليها تبعة تلك الطائفية البغيضة التي قد ارتطم فيها المسلمين في القرون المتأخرة لبعض الأسباب التاريخية الأخرى.
وإن لكل طالب للعلم وناشد للحقيقة -إذا لم تكن قد أعمته العصبية- أن يدرك من هذا الكتاب حقيقة ناصعة أخرى هي أننا إذا أردنا اليوم أن ننفذ في الدنيا قانون الإسلام فعلًا، فلا بد لنا أن نستعين لفهم القرآن بتلك المجموعة القيمة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم واجتهادات الفقهاء العظام، التي لا تزال -من حسن حظنا- محفوظة مدونة في الكتب بجملة شروحها وتفاصيلها، وأنه من الصعب، بل من المستحيل قطعًا بدون ذلك أن نصل إلى أعماق أحكام القرآن، وأن من كان في أدنى ريب من ذلك، فليقرأ أي آية شاء من آيات هذه السورة -النور- مثلاُ، ثم يبذل ما وسعه من الجهد ليستنبط منها أكبر عدد يقدر عليه من الأحكام القانونية، ثم يلق نظرة على ما بيّنا في هذا الكتاب من تفسير لتلك الآية على أساس الحديث والفقه، فإنه بنفسه يعرف الوزن لاستنباطه إزاء الشرح الحاصل من مجموعة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم واجتهادات فقهاء الإسلام.