الصفحة 28 من 40

وهذه المسألة -أي مسألة الصفات والمؤهلات- على جانب عظيم من الأهمية والخطورة في نظر الإسلام حتى إني لن أبالغ إذا قلت إن هذه المسألة هي التي يتوقف عليها نفاذ الدستور الإسلامي أكثر من أي شيء آخر.

فالأهلية للإمارة ولعضوية مجلس الشورى على نوعين: أهلية قانونية يمتحن بها منظم الانتخابات (القائم بأمر الانتخابات) أو القاضي رجلًا ثم يحكم عليه بكونه أهلًا أو غير أهل لمنصب من المناصي. وأهلية أخرى يراعيها المرشّحون والمصوتون ثم يبدون آراءهم في رجل من الرجال. أما الأهلية الأولى، فيحوزها كل واحد من أهالي البلا البالغ عددهم إلى الملايين ومئات الملايين. وأما الأهلية الأخرى، فهي التي لا تبرز منهم فعلًا إلا عددًا قليلًا جدًا. ويكفي أن تنطوي على مقاييس الأهلية الأولى بعض المواد من مواد الدستور العملية ( Operative Clauses) ولكن ينبغي أن تشمل معايير الأهلية الأخرى ومقاييسها روح الدستور كله. والذي يتوقف عليه نجاح دستور من الدساتير هو أن يربي الجمهور تربية فكرية تؤهلهم للانتخاب الصحيح، حتى لا ينتخبوا للإمارة ولعضوية مجلس الشورى إلا رجالًا يحوزون الأهلية حسب روح الدستور.

فالقرآن والسنة يتكلمان على كلا النوعين المذكورين من الأهلية. أما الأهلية الأولى، فقد زودانا بأربعة مقاييس في بابها:

1 -الإسلام: فقد جاء في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [1] .

2 -الرجولة: فقد جاء في القرآن"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء"وقال النبي صلى الله عليه وسلم"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"رواه البخاري [2] .

(1) يقول الأستاذ المودودي في رسالة أسس الدستور الإسلامي بصدد تفسير الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) : لا يتولى الأمر في الدولة الإسلامية إلا المسلمون الذين يوقنون بأن الدستور الإسلامي هو الحق، ويؤمنون بما جاء به الإسلام من الشريعة والأحكام والقوانين. ونجد على ذلك دليلين في الآية نفسها: أولهما أنه لا يؤخذ من قول الله تعالى (أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) بعد قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) سوى أن أولي الأمر الذين قد نزل الأمر بإطاعتهم يجب أن يكونوا من المسلمين. والثاني أنه قد جاء الأمر برد القضية -حيثما قام فيها النزاع- إلى الله والرسول.

والظاهر أنه لن يرضى إلا أولو الأمر المسلمون أن يحكموا الله والرسول فيما تنازعت فيه الحكومة ورعيتها، لا الكافرون. وفوق ذلك أن نصوص الأحاديث الموثوق بها أيضًا تؤيد هذا القول بل تؤكده. فقد سبق أن ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن أمر عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا) و (لا طاعة لمن عصى الله) وفي حديث آخر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا واحًا عندكم من الله فيه برهان) رواه البخاري ومسلم.

وفي حديث آخر أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذنوه في منابذة شرار الأئمة قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) .

فلا يبقى من شك بعد ما أوردنا من النصوص الصريحة أنه لا مجال في الدولة الإسلامية لأن يتولى أمرها غير المسلمين، كما أنه لا يسوغ في العقل ولا يكون بالفعل أن يتولى الأمر في دولة شيوعية من يجحد باليشوعية وفي دولة جمهورية من يعارض الجمهورية ويناوئها.

(2) اقرأ في رسالة:"أسس الدستور الإسلامي"بحثًا تفصيليًا للأستاذ المودودي عن المرأة والمناصب الرئيسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت