الصفحة 14 من 40

ومن هنا تنحل المسألة الثالثة أي"ما هي حدود العمل لمختلف أركان الدولة واختصاصاتها".

حدود المجالس التشريعية:

مما لا يخفى على أحد أن المجلس التشريعي اليوم ليس هو إلا ما كان يصطلح عليه"بأهل الحل والعقد"من قبل. والظاهر في أمره أن كل دولة أنشئت على الإذعان لحاكمية الله ورسوله القانونية لا يجوز لمجلسها التشريعي في حال من الأحوال أن يضع، ولو بإجماع أعضائه كلهم، قانونًا يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت لكم آنفًا قول الله عز وجل (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) وقوله عز من قائل (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ومن صميم ما تتطلبه هذه الأحكام أن يكون كل تشريع معارض لأحكام الله ورسوله خارجًا عن حدود سلطات المجلس التشريعي، وأن يُعَدَّ مناقضًا لصميم الدستور مجاوزًا لحدوده ( Ultra vires of Constitution) كل قانون مضاد لأحكام الله ورسوله يضعه مجلس من المجالس التشريعية.

وربما يسألني سائل في هذا المقام: فما هي الوظيفة التي يعهد بها إلى المجلس التشريعي في الدولة الإسلامية إذن؟. فالجواب على ذلك أن المجلس التشريعي في الدولة الإسلامية يناط به عدة أمور:

1 -إنه وإن كان لا يجوز للمجلس التشريعي أن يأتي بشيء من التغيير في الأمور الواردة فيها الأحكام الواضحة القاطعة عن الله ورسوله؛ إلا أن وظيفة المجلس التشريعي الحقيقة هي أن يضع القواعد واللوائح ( Rules and Regulations) لتنفيذ هذه الأحكام.

2 -إن الأمور التي تحتمل فيها أحكام الله ورسوله تأويلات عديدة، لا يُرجع فيها إلا إلى المجلس التشريعي ليرى أي التأويلات أوفق للقانون. فلا بد لهذا الغرض أن يكون المجلس مشتملًا على رجال من أرباب العلم يصلحون لتأويل الأحكام، وإلا يخشى من أقضيتهم الخاطئة أن تشوه وجه الحقيقة في أحكام الشرع، ولكنها مسألة تتعلق بكفاءة الناخبين وحسن اختيارهم لنوابهم في المجلس التشريعي [1] ، إلا أنه لا بد في هذا المقام من التسليم بالمبدأ القائل إن المجلس التشريعي له الحق في إيثار تأويل على تأويل آخر في المسائل التي تعرض عليه للبت فيها وأن تأويله هو الذي يكون له حكم القانون، وذلك بشرط أن لا يتخطى حدود التعبير ويدخل في دائرة التحريف.

3 -وأما الأمور التي لم ترد فيها أحكام في الشريعة، فللمجلس التشريعي أن يضع فيها القوانين الجديدة جاعلًا نصب عينيه المبادئ الدينية العامة أو يختار فيها من القوانين المدونة في كتب الفقه القديمة.

4 -وأما الأمور التي لم ترد في شأنها عن الشرع قواعد أصولية، فمعنى ذلك أن الله قد خولنا حق التشريع فيها، فللمجلس التشريعي أن يضع فيها بنفسه قانونًا يراه أنسب وأوفق لصالح الناس. بشرط ألا يكون منافيًا لحكم أو مبدأ شرعي. فالقاعدة في ذلك أن كل شيء ليس بمحظور فهو مباح.

فهذه القواعد الأربعة نعلمها من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل الخلفاء الراشدين وآراء المجتهدين. وإن شئتم أرشدتكم إلى مصادر كل قاعدة منها، ولكن الذي أراه أن من أدرك المبادئ الأساسية للدولة الإسلامية يكفيه عقله وفطنته للدلالة على أن مثل هذه الدولة لا ينبغي أن يكون للمجلس التشريعي فيها إلا هذه الحدود العملية.

حدود العمل للهيئة التنفيذية:

ولنبحث الآن الهيئة التنفيذية وما لها من حدود العمل في الدولة الإسلامية.

(1) اقرأ في خاتمة هذه الرسالة بحثًا تفصيليًا في هذا الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت