وقال الإمام ابن الرفعة الأنصاري الشافعي رحمه الله:"فالصحيح كما حكاه النقلة، الذين يُرجع إلى قولهم في نقل المذاهب، التي يجب على المقلدين العمل بها والفتوى أنّ البلاد فتحت عنوة وحكاه شيخ الأنام، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الفتح محمد القشيري [1] عن نص مالك رضي الله عنه في المدونة وما فتح عنوة، وكان فيه حين الفتح بيّع وكنائس ونحوهما، لا يجوز مصالحة أهل الذمة على إقرارها بالجزية على الصحيح من الوجهين في الوجيز، والوسيط، والنهاية، والمنهاج، والمحرر، وأنه يجب هدمها، لأنّ المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء، فيمتنع جعلها كنيسة، وعليه ينطبق نص الشافعي -رحمه الله- في (الأم) ، في سير الواقدي، في الجزء الخامس عشر: فَكُلُّ بَلَدٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَأَرْضُهَا وَدَارُهَا كَدَنَانِيرِهَا وَدَرَاهِمِهَا وَهَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي خَيْبَرَ وَبَنِي قُرَيْظَةَ [2] ."
وباتفاق لا يجوز للإمام أنْ يترك لهم الدنانير والدراهم في معاملة عقد الذمة، فكذا لا يجوز أن يترك لهم الكنائس، وقد ملكها المسلمون لأجل عقد الذمة، ثم تركها لهم لا يجوز أنْ يكون على وجه الهبة لِما لا يخفى، ولا على وجه المعاوضة، لأجل عقد الذمة، لأنّ البذل يكون منهم لا منَّا، فلم يبق إلاّ جعلها مرصدة لهم لأجل المصلحة، وملك الغانمين لا يجوز أن يُعطّل عليهم؛ لأجل وجه المصلحة، ولهذا لما اختلف قول الشافعي في كون أراضي الفيء تكون موقوفة لم يختلف في أنّ ما فُتح عنوة لا يكون موقوفا، وعمر رضي الله عنه إنما وقف أرض السواد إن قيل إنها وقف بعد استطابة قلوب الغانمين، أو لاجتهاد رآه، وهو قوله: لولا آخر المسلمين لقسمت الأراضي كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك، والله أعلم".اهـ [النفائس في أدلة هدم الكنائس ص 14 - 15] ."
(1) وهو الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله.
(2) انظر: كتاب"الأم"للشافعي، كتاب الحكم في قتال المشركين، مسألة مال الحربي.