ثانيًا: أن تبنى في دار كفر ثم يمتلكها المسلمون صلحًا، فهذه لا تُهدم ولا ترمم
إذا بنى الكفار كنيسة في دار من دورهم، ثم حكم المسلمون تلكم الدار بصلح صالحوهم عليه، فلا تهدم، ولا ترمم على القول الصحيح .. وقلت ذلك نظمًا:
أما إذا تم الصلحُ ... عن الحبر مصححُ: ...
"على المسلمين الوفا"... بالعهدِ طالما صفا
عن كثير بن مرة قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُحدثُوا كنيسة في الإسلام ولا تُجددوا ما ذَهَب منها) . [رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب شروط الذمة] .
وعن توبة بن نمر الحضرمي (قاضي مصر) عمن أخبره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا خِصَاء في الإسلام ولا كنيسة) [أخرجه أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، والخلال في أحكام أهل الملل برقم: (980) ] .
وعن أبي الخير- أي مرثد بن عبد الله اليزني - قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء". [أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال برقم: (260) ، وعلي بن عبد العزيز] .
قال الإمام السبكي بعد إيراده هذا الحديث من طريقي الإمامين أحمد بن حنبل وأبي القاسم بن سلام:"استدلوا به على عدم إحداث الكنائس، ولو قيل إنه شامل للإحداث والإبقاء لم يبعد، ويخص منه ما كان بالشرط بدليل ويبقى ما عداه على مقتضى اللفظ، وتقديره: لا كنيسة موجودة شرعًا"اهـ. [الفتاوى 2/ 374 في أثناء كلامه عن تحريم ترميم الكنائس] .
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله:"وأما البلاد التي لهم فيها السبيل إلى ذلك فما كان منها صلحا صولحوا عليه، فلن ينتزع منهم، وهو تأويل قول ابن عباس الذي ذكرناه، قوله: وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يوفوا لهم به".اهـ [كتاب الأموال ص97 وما بعدها] .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:"وإن كانوا فتحوا بلادهم على صلح منهم على تركهم وإياه خلوا وإياه، ولا يجوز أن يصالحوا على أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثون فيها ذلك".اهـ [المختصر 8/ 385، وانظر: أحكام أهل الذمة ص432] .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد:"وسمعت أبي يقول: ليس لليهود ولا للنصارى أن يحدثوا في مصر مصّره المسلمون بيعة ولا كنيسة، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا فيما كان لهم صلحا [1] ".اهـ [أحكام أهل الذمة ص 422، وانظر: أحكام أهل الملل برقم: (346) ] .
وقال الإمام أحمد أيضًا عن بعض المدن:"فهؤلاء أهل صلح، صولحوا ولم يحاربوا، فما كان منها لم يخرّب، وما كان غير ذلك فكله مُحدث يُهدم. وقد كان أمر بهدمها هارون ..".اهـ [أخرجه الخلال في أحكام أهل الملل برقم: (969) ، وانظر أحكام أهل الملة ص422] .
ونقل صاحب الجواهر عمن قال بجواز أن يشترطوا اتخاذ الكنائس إن شاءوا، ثم قال:"قال ابن الماجشون: لا يجوز هذا الشرط ويمنعون منها إلا في بلدهم الذي يسكنه معهم المسلمون فلهم ذلك وإن لم يشترطوه، قال: وهذا في أهل الصلح".اهـ [أحكام أهل الذمة ص433] .
وقال صاحب"النهاية"في شرحه:"فإن فتحناها صلحًا فهذا ينقسم إلى قسمين:"
القسم الأول: أن يقع الفتح على أن رقاب الأراضي للمسلمين ويقرون فيها بمال يؤدونه لسكناها سوى الجزية، فإن استثنوا في الصلح البيع والكنائس لم ينقض عليهم.
وإن أطلقوا وما استثنوا بيعهم وكنائسهم ففي المسألة وجهان:
الوجه الأول: أنها تنقض عليهم؛ لأن المسلمين ملكوا رقاب الأبنية والبيع، والكنيسة تغنم كما تغنم الدور.
الوجه الثاني: لا نملكها؛ لأن شرطنا تقريرهم وقد لا يتمكنون من المقام إلا بتبقية مجتمع لهم فيها يرونه عبادة.
(1) أي لا تُهدم.