خامسًا: كنائس الضرار تُهدم وإن أُبقيت من قبل صلحًا
إن كل ما تقدم من تفصيل وتأصيل لمسألة الكنائس إنما هو فيما إذا كانت الكنائس دورًا للعبادة، أما إذا أصبحت الكنائس دورًا للحرابة، فهي ليست بأعز من المساجد التي تتخذ للإضرار بالمسلمين! وقلت ذلك نظمًا:
تحويلهمُ المعابد ... إضرارًا بكل عابد ...
فحكمها عند الأبرار ... صنو مساجد الضرار
قال الله تعالى في سورة براءة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
قال الإمام أبو بكر الجصاص ـ رحمه الله ـ:"وفيه -أي قوله تعالى: (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) - الدلالة على أن المسجد المبني لضرار المؤمنين والمعاصي لا يجوز القيام فيه وأنه يجب هدمه، لأن الله نهى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن القيام في هذا المسجد المبني على الضرار والفساد وحرم على أهله قيام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه، إهانة لهم واستخفافا بهم ..".اهـ [في أحكام القرآن 4/ 367] .
وقال الإمام القرطبي ـ رحمه الله ـ في تفسيره:"وقد رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمرّ بالطريق التي فيها المسجد، وأمر بموضعه أن يُتخذ كُناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقُمامات".اهـ
وقال الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ:" (ضرارًا) منصوب على المصدرية، أو على العلّية، (وكفرا، وتفريقًا، وإرصادًا) معطوفة على (ضرارًا) ، فقد أخبر سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا المسجد أمور أربعة:"
الأول: الضرار لغيرهم وهو المضارة.
الثاني: الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق.
الثالث: التفريق بين المؤمنين.
الرابع: الإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله ..".اهـ [مختصرًا من فتح القدير] ."
فالعلة الموجبة هدم مسجد الضرار متوفرة في كنائس الضرار من باب أولى، قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ، فيما تضمنته غزوة تبوك من الفوائد:"ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار، وأمر بهدمه، وهو مسجد يُصلى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وُضِع له، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادًا من دون الله أحق بالهدم وأوجب".اهـ [زاد المعاد 3/ 571] .
ولقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عما إذا نقض أهل الصلح صلحهم، هل تُؤخذ الكنائس التي صُولحوا عليها؟