ثالثًا: أن تبنى في دار إسلام - بسبب ضعف أو معصية - فهذه تُهدم
إذا بنى الكفار -على اختلاف نحلهم- كنيسة في دار من دور الإسلام، بسبب ضعف الدولة الإسلامية، أو بسبب معصية الحكام المسلمين وحاشيتهم، أو بسبب ذهاب حكم الإسلام وتحول هذه الدار إلى دار كفر طارئ كاحتلال من كافر أصلي، أو تغلب كافر مرتد -كما هو حال الديار اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله- فهذه الكنيسة تُهدم. وقلت ذلك نظمًا:
والبناء في دارنا ... نهدمه في ديننا ...
"لا قبلتان في أرضِ"... جاء في الحديثِ المرضي
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكون قبلتان في بلد واحد) وفي رواية: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة) [أخرجه أبو داود والترمذي، وأحمد، وجوّد إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"والمدينة التي يسكنها المسلمون، والقرية التي يسكنها المسلمون، وفيها مساجد المسلمين، لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر: لا كنائس ولا غيرها".اهـ
وقال التوربشتي:"أي: لا يستقيم دينان بأرض واحدة على سبيل المظاهرة والمعادلة.".اهـ [تحفة الأحوذي 3/ 317] .
وقال العظيم آبادي رحمه الله:" (لا تكون قبلتان في بلد واحد) قال في فتح الودود: الظاهر أنه نفي بمعنى النهي؛ والمراد نهي المؤمن عن الإقامة بأرض الكفر، ونهي الحكام عن أن يمكنوا أهل الذمة من إظهار شعار الكفر في بلاد المسلمين".اهـ [عون المعبود 8/ 154] .
وقد ورد في الشروط المشهورة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"أن لا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة راهب ولا قلاية".اهـ [أخرجه الخلال في كتاب أحكام أهل الملل] .
قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر الشروط العمرية من طرق متعددة:
"وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها ..".اهـ [أحكام أهل الذمة ص663 - 664] .
بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ الإجماع على هذه الشروط، في كتابه القيم:"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم". [1]
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي ـ رحمه الله ـ:"أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة".اهـ [سراج الملوك] .
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة -يعني: ابن محمد- أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء". [انظر: أحكام أهل الذمة ص423] ."
وقد روى عبد الرزاق في مصنفه (6/ 59) تحت عنوان"هدم كنائسهم وهل يضربوا بناقوسهم"هذا الأثر عن عمه وهب بن نافع بلفظ:"كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة بن محمد: أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: فشهدت عروة بن محمد ركب حتى وقف عليها ثم دعاني فشهدت على كتاب عمر وهدم عروة إياها فهدمها".اهـ
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي ـ رحمه الله ـ:"وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة".اهـ [سراج الملوك] .
(1) حيث قال رحمه الله في الاستدلال على تحريم التشبه بالكفار:"وأما الإجماع، فمن وجوه: من ذلك أن أمير المؤمنين عمر، في الصحابة رضي الله عنهم، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم ..".اهـ [الاقتضاء ص108] .