وعلى ذلك لا توجد في نظرهما أية أسباب أخرى غير تطور أساليب الإنتاج .
إنهما - مثلا - لا يقيمان وزنًا لعملية النمو الطبيعية في بنية النفس والمجتمع ! النمو الذي يعتبر تطور أساليب الإنتاج مظهرًا واحدًا من مظاهره .. فالنفس كما تنمو بتحقيق إمكانياتها العملية عن طريق العدد والآلات ، وتحسينها ، كما يقول جوليان هكسلي ، تنمو كذلك بتحقيق إمكانياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. الكامنة في فطرتها .
يقول هكسلي في كتاب"الإنسان في العالم الحديث":
"وهذه الخواص التي امتاز بها الإنسان ، والتي يمكن تسميتها نفسية أكثر منها بيولوجية ، تنشأ من خاصية أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:"
"الأولى: قدرته على التفكير الخاص والعام ."
"الثانية: التوحيد النسبي لعملياته العقلية بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان ."
"الثالثة: وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها" (1)
إن وجود التنظيمات الاجتماعية والسياسية والدينية والخلقية والاقتصادية هو إذن خاصية من الخواص النفسية للإنسان ! إنها في صميم فطرته ، لم تنشئها أساليب الإنتاج كما يبدو لأول وهلة على هدى التفسير المادي للتاريخ . وإنما تطور أساليب الإنتاج يمكن أن يعطيها صورة معينة . وفرق - كما بينا مرارا من قبل - بين الإنشاء والتشكيل . فرق واضح وكبير . فحين تكون النفس هي الأصل ، ففي وسعها - نظريا على الأقل ! - أن تتشكل بأكثر من صورة . أما حين تكون أساليب الإنتاج هي الأصل فهي إذن تعطي صورة حتمية لا فكاك منها ! وسنرى بعد قليل أن هذه الفرصة النظرية كانت حقيقة ، وحقيقة ضخمة في حياة البشرية يعجز عن تفسيرها كل تفسير مادي للتاريخ ! ولكنا لا نريد أن نسبق الحديث !
(1) الإنسان في العالم الحديث ص 32 من الترجمة العربية .