نشأت المصانع في المدن . واحتاجت إلى رجال أشداء يديرونها . وكان هؤلاء في الريف ، مستعبدين في الأرض ، فكان لا بد من تحريرهم من عبودية الأرض ليديروا الآلة ، فحدثت حركة تحرير الرقيق .. وكانت نتيجة حتمية . ثم تكتل العمال في مصانع المدن ، وأخذ رأس المال ينمو فتنشأ طبقة استغلالية جديدة مصاحبة في مبدأ الأمر ثم مناوئة لطبقة الإقطاع .. وكان ذلك نتيجة حتمية [ وتغيرت أخلاق المجتمع ومفاهيمه نتيجة انتقاله من الزراعة إلى الصناعة كما أشرنا إلى ذلك من قبل ] وحدث صراع سياسي بين الطبقات المستغِلة والطبقات المستغَلة على التشريع والتوجيه ، لخدمة مصالح كل طبقة .. وكان ذلك نتيجة حتمية . وما زال هذا الصراع قائمًا ، ويقول التفسير المادي للتاريخ إنه لا بد أن يؤدي إلى نتيجته الحتمية ، ثم تختلف التفسيرات - أو المذاهب - في أمر هذه النتيجة ، فيقول مذهب إنها الشيوعية ، ويقول مذهب آخر إنها الاشتراكية ، ويقول مذهب ثالث إنها التعاونية .. ويقول الجميع إنهم ديمقراطيين !
صورة - في هذا الوضع - منطقية ، مرتبة ، منظمة ، مُقنعة !
ومع ذلك فعند التمعن فيها تتبدى فيها جملة ثقوب !
إنها أولا تفسر كل تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي بتغير أساليب الإنتاج فحسب . وقد مر بنا صراحة ماركس وإنجلز في هذا الأمر أنهما يقولان في وضوح كاف:"فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يعين الصفة العامة للعمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة . ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم ، بل إن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم ." [ ماركس ] ."إن الإنتاج وما يصاحبه من تبادل المنتجات هو الأساس الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي . فحسب هذه النظرية نجد أن الأسباب النهائية لكافة التغييرات والتحولات الأساسية يجب البحث عنها لا في عقول الناس أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين ، وإنما في التغييرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل" [ إنجلز ] .