إنهما كلاهما يرصدان التاريخ من خط الخنوع والاستسلام للقوى القاهرة . ولكنهما لا يرصدانه من خط الثورة على تلك القوى وتدميرها وإزاحتها !
والحقيقة العلمية النزيهة من الغرض ، ينبغي أن ترصد التاريخ من خطيه . لأن كلا خطيه حقيقة .. ترسمه من خط الخنوع وخط الانتفاض: خط السلبية وخط الإيجابية .. وكلاهما موجود وفطري في كيان الإنسان !
من هذه المرحلة من المناقشة نصل إلى مجموعة من الحقائق:
أن الفطرة هي الأصل في تصرفات الإنسان .
أن الأدوات والآلات المستحدثة هي في ذاتها تعبير عن الفطرة [ من حيث القدرة على التفكير التصوري والرغبة في التحسين ] .
وأنها - وهي تعبير في الأصل عن الفطرة - تسير على هدى الفطرة في تطبيقاتها العملية [ من حيث تحقيقها لرغبات الإنسان ]
وأنها - في تطبيقاتها العملية - لا تنشئ جديدًا في كيان الإنسان ، وإنما تحقق ما كان كامنا من قبل في ذلك الكيان .
وأنها تغير صورة الحياة تغييرًا شاملا .. ولكن التغير ذاته يحدث استجابة لمطالب الفطرة ، ويقع في حدودها لا يتعداه .
تلك الحقائق الخمس وما تستلزمه من حقائق أخرى فرعية يمكن التحقق منها بسهولة في جميع ميادين النشاط الإنساني . ولا نحتاج أن نتتبع خطوط الفطرة جميعها لنتثبت من هذه الحقيقة ، ولكنا نضرب بعض الأمثلة للتوضيح والتوكيد:
لم يكن اختراع الطائرة هو الذي أنشأ الرغبة في السفر السريع والتنقل بين جهات العالم . وإنما الأحرى أن تكون هذه الرغبة الكامنة هي التي أوحت باختراع الطائرة ، حين وجدت الإمكانيات العلمية التي تهيئ الفرصة للتحقيق العملي لهذه الرغبة . فمن قبل ظل الإنسان يزيد سرعته في السفر بمختلف الوسائل لإنه يرغب في ذلك ، وكان يحلم - حين يعجز عن التنفيذ العملي - بوسائل خاطفة تنقله في لحظة من مكان إلى مكان ! فالطائرة [ ومن بعدها الصاروخ ] هي تحقيق الحلم البشري القديم الذي كان يخايل للبشرية وتتمنى تحقيقه ..