الصفحة 92 من 291

وقد لا تكون الفطرة واعية لتلك الرغبات في كل حالة ! وهذا هو الذي يؤدي إلى الخديعة الأولى في فهم الموضوع !

قد لا يكون الإنسان الأول واعيا لكون النار ستعطيه طعوما شهية مستساغة . وقد لا يكون اكتشف هذا الأمر إلا بعد أن جربه بالفعل . ولكن .. حتى على هذا الفرض ، فالمرجع الأخير هو الفطرة . إن المحاولة والخطأ طريقة من طرق التعلم والمعرفة عند الإنسان وعند الحيوان . ولكنها في الحالين تصطدم في النهاية بفطرة الحيوان أو فطرة الإنسان .. ولا تتعداها . فقد استساغ الإنسان صنوفا من الطعام ولم يستسغ صنوفا أخرى والنار هي النار ! أي أن ميدان استخدام النار ومدى استخدامها يسيران على خط الفطرة ، ولا يغيران هما شيئًا من حقيقة الفطرة على مدى التاريخ .

وإنما جاءت الخديعة الأخرى من اتساع الفطرة الإنسانية .. حتى خيل لبعض الناس أنه لا حدود لها ، ومن ثم فلا قيمة حقيقية لوجودها ما دامت تتسع لكل شيء !!

كلا ! إن اتساعها لا يلغي حقيقتها ، ولا يلغي دلالتها !

إنها تسع أشياء كثيرة ولكنها لا تتسع لكل شيء فلها - في النهاية - خطوطها الأخيرة التي تصطدم بالأشياء وترفضها ، وتصر على رفضها مهما كان الضغط الواقع عليها ، فلا تقبل أشياء ليس لديها الاستعداد الفطري لتقبلها .

وهنا الخديعة الثالثة ! الناشئة من مرونة الفطرة ! إنها - لمرونتها الشديدة - تحتمل كثيرًا من الضغط الواقع عليها من شيء يخالف طبيعتها . ولكنها من ناحية لا تحتمل كل شيء ومن ناحية أخرى لا تحتمله إلى الأبد ! وإنما تحتمل بعض الأشياء .. وبعض الوقت . ثم تثور فتلفظ ما لا تسيغه ولا تستريح إليه . لقد ثارت على الدكتاتوريات لأنها تكبت الوجود الفردي للإنسان . وثارت على ملكية الدولة لأنها تكبت النزعة الفطرية للملكية الفردية . وثارت - كما سيجيء - على كثير من ألوان الانحراف .

وتلك هي الحقائق التي غابت عن التفسير المادي للتاريخ . والتفسير الجمعي للحياة البشرية !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت