فحين تنشئ الآلة جديدا في كيان الإنسان ، تكون الآلة حقا هي الأصل في التطور كما يرسمها التفسير المادي للتاريخ . وحين تحقق رغبات كامنة في فطرة الإنسان يكون الإنسان هو الأصل كما يرسمه التفسير"الإنساني"للإنسان (1) !
النار .. هل هي التي أنشات الرغبة في طهو الطعام ؟
في ظاهر الأمر يبدو ذلك ! ولكن أية قوة حتمية في النار تدفع الإنسان إلى طهو الطعام عليها ؟!
إن القصة يمكن أن تُتصور على هذا النحو: أنه وقع في تجارب الإنسان - بما يسمونه المصادفة ، ونرده نحن إلى حقيقته"العلمية"وهي قدر الله ومشئيته - أن شبت النار قريبا من الفريسة أو وضع الفريسة قريبًا من النار فنضجت فأعجبته رائحة الشواء واستطعم طعمه ، بما في فطرته من استعداد وتقبل لهذه الرائحة وذلك الطعم . ثم راح - بما فطرته من التفكير التصوري - يستعيد العملية ليحصل على نفس النتيجة .
وفي كلا الحالين لم تكن الأداة المستحدثة - وهي النار - هي التي أنشأت الأمر في باطن النفس ، وإنما هي حققته . حققته في عالم الواقع بعد أن كان كامنا في باطن النفس .
وتغيرت صورة الحياة - في ميدان الطعام - بعد اكتشاف النار . فقد هيأت الأداة المستحدثة فرصا متزايدة لألوان من الطعام جديدة ، و"فنون"مستحدثة .
نعم . ولكن هل كان في وسع النار - بإمكانياتها المستحدثة - أن تصنع شيئًا من ذلك كله لولا أن نفس الإنسان قد استطابت ذلك وأنست إليه ورغبت فيه ؟!
لو أن النار أعطت الطعام طعما لا يستسيغه الإنسان .. هل كان يقبل عليه ؟
ومن ناحية أخرى .. لولا الرغبة الدفينة في"تحسين"الطعام ، هل كان يستخدم النار في هذا السبيل ؟
إن النار قد أعطت الإنسان إمكانيات جديدة حافلة .. ولكنها إمكانيات لأي شيء ؟! إمكانيات لتحقيق رغبات كامنة في الفطرة ، تنتظر الفرصة المواتية للتحقيق !
(1) انظر فصل"التفسير الإنساني للإنسان"في كتاب"دراسات في النفس الإنسانية"