لقد كان من الممكن - بادئ ذي بدء - ألا يكتشف الإنسان النار لولا ما ركب في فطرته من القدرة على التفكير التصوري . وكان من الممكن - حين اكتشفها - ألا يستخدمها في طهو الطعام [ إذ ما الذي يدفعه إلى ذلك بصورة حتمية ؟! ] وكان من الممكن - حين استخدمها في طهو الطعام - أن يقف عند هذا الحد فلا يتفنن تفننا في الطعام . وكان من الممكن أخيرًا ألا يصوغ حول الطعام قيما وآدابا وتقاليد !!
كلا ! لم تنشئ النار شيئًا من ذلك كله ! لولا الرغبة الفطرية الكامنة ، السابقة في وجودها على النار !! القدرة الفطرية على التفكير التصوري هي التي مكنت الإنسان من اكتشاف النار [ وهي موهبة الله للإنسان ] . ثم الرغبة الفطرية في التحسين والتجميل هي التي قامت ببقية المهمة في خط طويل على مدار التاريخ !
وتلك عقدة القضية .. ومفرق الطريق !
هل معنى ذلك أن الآلة لم تغير شيئًا في حياة الإنسان !؟
كلا ! لا نقول ذلك ! ولا يمكن أن يقوله إنسان !
إن صورة الحياة قبل اكتشاف أية أداة أو اختراع أية آلة تختلف اختلافا - جزئيا أو كاملا - عن صورتها بعد الاختراع أو الاكتشاف . إذ تستجد للناس أفكار جديدة وعلاقات جديدة ومشاعر جديدة وتنظيمات جديدة [ سنتحدث في الفقرة التالية عن التطور الاجتماعي والاقتصادي ] .
فبعد اكتشاف النار حدث تطور هائل في الأرض . وبعد اختراع المحراث . وبعد اكتشاف البارود . وبعد اكتشاف الكهرباء ...
ونحن - كما قلنا - نريد أن نبرز هذا التطور ونؤكد عليه .. لأنه - من وجهة نظرنا - حقيقة"إنسانية"!
إنما الأمر الذي نريد أن نناقشه هو هذا: هل الآلة أنشأت جديدًا في كيان الإنسان ، أم إنها حققت رغبات كامنة في فطرة الإنسان ؟!
والفرق - لعله - واضح بين الوضعين .. وهو فارق كبير .