لقد تبين لنا إذن - من البحث"العلمي"لا من الفلسفة النظرية - وجه الصواب في القضية الشبيهة بأحجية البيضة والفرخة ! إن"الإنسان"هو الأصل . هو المنبع . وليست هي العدد والآلات !
الإنسان - بادئ ذي بدء - هو الذي اتجه إلى الاكتشاف والاختراع !
لماذا ؟!
يقول هكسلي الملحد: إن تلك خاصية بيولوجية للإنسان ! أي أنها تحمل في ذاتها تفسيرها !
ونقول نحن - ولا يتعارض ذلك مع"العلم"وإنما يكمله ويقوّمه من انحرافه - إن الله الذي خلق الإنسان ليجعله خليفته في الأرض ، هو الذي منحه هذه الخاصية ، لأنها وسيلة من وسائل الخلافة وأدواتها ، وإن الله هو الذي قيض للإنسان اكتشاف النار - لا المصادفة ! - بأن أودع في فطرته الالتفات إلى ظواهر الطبيعة ، و"تصورها"والاستفادة منها . وإلا فالمصادفة التي أحدثت النار أمام الناس ، فالتقط منها الفكرة واستخدمها ، تحدث ملايين المرات أمام الحيوان فلا يدركها ولا يتصورها ولا يلتقطها ليستخدمها .
وإذن فقد أُودعت الفطرة الإنسانية القدرة على التصور ، ومن ثم القدرة على الاكتشاف والاختراع ، ومن ثم القدرة على استخدام الآلات .. والقدرة على تحسين الآلات.. كما أودعت في الوقت ذاته ما يسميه هكسلي"بالتقاليد"ونسميه نحن"القيم"والقدرة على ربط الأعمال - بما فيها استخدام الآلات - بقيم نفسية واقتصادية واجتماعية وخلقية ودينية .
وهذا هو الذي يفسر لنا كل الأسئلة التي قدمناها منذ قليل ..
لماذا اكتشف الإنسان النار ؟ لماذا استخدمها - حين اكتشفها - في تحسين الطعام بطهوه ؟ لماذا لم يقف عند الدرجة التي وصله إليها اكتشاف النار ؟ لماذا أنشأ حول الطعام قيما مختلفة وأدابا وتقاليد ؟
أما اكتشاف النار - كحادثة مادية وكأداة مادية - فلا يفسر شيئًا مما يريد أن يفسره به التفسير المادي للتاريخ !