لن نضع القضية هنا كما توضع تلك الأحجية المشهورة: البيضة قبل الفرخة أم الفرخة قبل البيضة ؟!
فالقضية التي بين أيدينا هنا ليست أحجية ، وليست في حاجة إلى التمحل والروغان !
إن الحيوان ، زميل الإنسان في سكنى الأرض ، وزميله - في رأي الداروينية - في كثير من الخصائص ، وفي الأصل المشترك ، لم يكتشف ولم يخترع على طول مقامه في هذه الأرض !
فالاكتشاف والاختراع إذن مزية بشرية في صميم فطرة الإنسان .. تلك بديهية .
يقول جوليان هكسلي - العالم الدارويني الحديث - في كتابه"الإنسان في العالم الحديث":
"وأولى خصائص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحا قدرته على التفكير التصوري .. ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة ، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة .. ومن أهم نتائج تزايد التقاليد - أو إذا شئت من أهم مظاهره الحقيقية - ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عدد وآلات .. وإن التقاليد والعدد لهي الخواص التي هيأت للإنسان مركز السيادة بين سائر الكائنات الحية . وهذه السادة البيولوجية - في الوقت الحاضر - خاصية أخرى من خواص الإنسان الفذة .." (1)
وهذا العالم - كما بينا في كتب سابقة - عالم ملحد ، لا ينسب إلى الله شيئًا من عملية الخلق ، ولكنه يثبت للإنسان تلك المزية أو المزايا المتفردة: قدرته على التفكير التصوري .. وقدرته على استخدام العدد .. وميله وقدرته على تحسين ما لديه من عدد وآلات .. وإقامة التقاليد وتنميتها .. ويسمى ذلك كله خواص بيولوجية أي .. في صميم الفطرة البشرية .
إنها لم تنجم إذن من استخدام العدد والآلات .. وإنما هي التي أنتجت استخدام العدد والآلات !
(1) ترجمة حسن خطاب ومراجعة عبد الحليم منتصر فصل"تفرد الإنسان"مقتطفات ص 3 - 5