وفوق ذلك كله كانت الحركة العلمية .. وهي تعتبر في ميزان التاريخ أكبر حركة فيه إلى ما قبل العصر الأخير . وهي ليست مجرد علم . وإنما هي على وجه التحديد"حركة علمية". حركة تأخذ وتعطي ، وتنمو وتزداد . حركة تأليف وترجمة ونشر [ عن طريق المدارس والمكتبات العامة ] على نطاق واسع غير معهود من قبل في التاريخ . حركة في الفلسفة التجريدية والعلوم النظرية والتجريبية .. ويكفي من دلالاتها أن يكون العلماء المسلمون هم الذين أنشأوا المذهب التجريبي الذي سارت عليه العلوم كلها فيما بعد ، وطبقوه على أوسع نطاق ، في الجغرافيا والفلك .. وفي الطب والكيمياء والطبيعة .. وفي اتجاه الحياة عامة بلا استثناء .
في هذا الجو"المتحرك"النامي المتطور كان يعيش العالم الإسلامي ، حيث كانت تعيش أوربا في جو من الركود و"الثبات"...
وحتى حين استهلك العالم الإسلامي طاقته [ لأسباب تاريخية ليس هنا مجال تفصيلها ، ولكن يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: أنها البعد التدريجي عن"الإسلام".. أي عن مصدر الحركة والإشعاع ] .. حتى حينئذ كانت فيه من بقايا الرصيد الضخم ، رصيد الحركة والنماء والتطور ، في أيام الحروب الصليبية ، ما كان كافيا لأن يشعل الشرارة في أوربا ، فيخرجها من الظلمات إلى النور .
في الحروب الصليبية التقت أوربا"ببقايا"الحركة الإسلامية .. أكبر حركة مد في التاريخ .. فكانت هذه البقايا تحمل من الحيوية والحركة والاشتعال ، ما استطاع أن يوقظ أوربا من سباتها ، ويبعثها تطلب الحركة والحياة .
أولى ثمار الحروب الصليبية كانت حركة البعث العلمي . فقد تعرف الصليبيون على المعارف الإسلامية ، سواء ما كان منها من أصل إغريقي ، وما كان إضافة جديدة أضافها العلماء المسلمون في فترة الركود الأوربي الطويل . وكانت حركة البعث هذه أول شرارة انطلقت لتحرر الأرواح في أوربا من ظلام الجهل والخرافات والأساطير .