الصفحة 10 من 291

ثم كان تحطيم النظام الإقطاعي والسعي لتكوين الدول والأمم في مكان الإقطاعيات والقبائل ، حين لمس الصليبيون في حربهم مع المسلمين مزايا الحكومة المركزية الموحدة ، والقانون الواحد الذي يسري على الجميع ، القانون الذي لا ينبع من هوى حاكم الإقطاعية ، ولا تتداخل فيه السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، كما كانت كلها تتداخل في شخص الحاكم هناك . كما ساعد تكوّن المدن التجارية والصناعية التي نشأت في أثناء الحروب الصليبية - على غرار المدن الإسلامية الساحلية - على تفتيت الإقطاع وتحرير العبيد .

باختصار بدأت أوربا"تتحرك"من سباتها الطويل .

وحين بدأت تتحرك .. أخذت الحركة تصطدم بمفهوم"الثبات".

وقد كان هذا المفهوم بعيد الغور في التربة الأوربية .. فلفترة طويلة من الزمن كان كل شيء ثابتا في أوربا لا يتحرك ولا يريم . العبيد في الأرض . والسادة في الإقطاعيات . كل منهما يرث عبوديته أو سيادته على مدار الأجيال ومدار القرون . ورجال الدين ذوو المنزلة والسطوة عنصر يكمل الصورة ويثبّت الإطار .

الحياة هي الحياة .. الرجل والمرأة والأطفال يتعاقبون على طور واحد . فرد يذهب وفرد يخلفه في مكانه ، يأخذ نفس السمت ويؤدي نفس الدور ، فكأنما لا يذهب الذاهب ولا يجيء .. في حدود"الطبقة"بإطارها الجامد الذي لا يتحطم ، يعيش كل إنسان . الشريف في"شرفه"والشعب في شعبيته ، ورجل الدين في مسوحه .. بلا تبديل .

الحياة الاقتصادية والاجتماعية السياسية والفكرية والروحية تسير على نفس الوتيرة منذ عهود لا يعيها وعي الفرد ، وإنما يتصورها امتدادا"أزليا"ثابتا في الماضي ، ويراها في الحاضر ثابتة ، فيتخيل لها كذلك ثباتا"أبدبا"فيما يُقبل من التاريخ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت