الصفحة 11 من 291

وفي ظل هذا المفهوم الثابت تثبت الأفكار والقيم والأخلاق والتقاليد .. ويشمل ذلك كلَّه من الخارج إطارُ الدين ، فيُحكِم الصورة الثابتة ، ويزيد في تثبيت المفهوم .

والجهل والأساطير والخرافة تزيد من عنصر الثبات ..

فالعلم حركة .. حركة في الذهن تتبعها حركة في واقع الحياة . وما دام الذهن يعمل ويتحرك ، ويعرف جديدًا كل يوم ، فلا سبيل للركود الجامد ولا الثبات الجائم .. وإنما السبيل للتغير والتطور ، والتحوير والتبديل .

ولقد كانت الكنيسة الأوربية قيّمة على هذا الجهل حريصة عليه .. فأي شيء - كالجهل - يمكن أن يضمن لها استنامة الجماهير لسلطانها الطغياني ، وأي شيء يمكن أن تحذره أكثر من العلم الذي"يحرر"الأرواح والنفوس ؟!

ومن هنا كان الدور"الطبيعي"للكنيسة - من موقفها الذي ترصد منه الحياة الأوربية - أن تحافظ على الجهل أطول مدة تستطيعها ، وتمنحه سلطان الدين وعنوانه ، وأن تحارب العلم ما وسعتها المحاربة ، وتسمه بالعصيان والمروق ، وتطرده من رحمة الله .. كذلك فعلت مع كوبرنيكوس وجاليليو وجوردانو برونو .. ومع كل عالم تجرأ أن يناقض جهالتها المقدسة ، ويفتح الباب للعلم كي ينير الطريق .

من هذا"الثبات"الهائل الراسخ العميق الغور ، أخذت أوربا تتحرك على صدى الحروب الصليبية ، وما أطلقته هذه الحروب في كيانها من هزات .

وكان أمرًا طبيعيًا أن تقوم"الحركة"في أوربا على غير أساس الدين ..

أمرًا طبيعيًا من جميع الوجوه ..

فالدين كما تصورته الكنيسة الأوربية وصورته للناس ، كان - كما قلنا - يمثل الثبات المطلق في جميع الأمور . فالحركة إذن لا بد أن تصطدم به ، كما تصطدم كل حركة بالسكون . ولا بد أن تقوم على غير أساس منه ، لأنه لا يسمح بمفهوم الحركة ، ولا يمكّنه من الوجود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت