الصفحة 12 من 291

والكنيسة فوق ذلك كانت قد أصبحت غولا بشعًا يطارد الناس في يقظتهم ومنامهم ، يفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين ، ويفرض عليهم العشور والضرائب ، وأعمال السخرة فيما تملك من الأرض ، والتجنيد في الجيوش التابعة لها التي تحارب بها الملوك . فكان رد الفعل الطبيعي هو"التحرر". التحرر من سلطان الكنيسة الطغياني ، وإقامة البناء الجديد - بناء النهضة - على مبعدة من ذلك السلطان .

فإذا أضيف إلى ذلك أن الكنيسة قد بدأت بالفعل بتعذيب العلماء وتحريقهم وقتلهم لأنهم يعلنون ما تصل إليه أبحاثهم العلمية المخالفة لأساطيرها المقدسة .. فقد كان الطبيعي إذن أن تقوم الحركة"العلمية"مناهضة لسلطان الكنيسة ، بعيدة عن مفهوم الدين .

وذلك كله فوق الروح الإغريقية الرومانية الوثنية العميقة الغور في النفس الأوربية ، والتي كانت تختفي تحت قشرة رقيقة من المسيحية في العصور الوسطى ، فما إن واتتها الفرصة في حركة العداء للكنيسة حتى برزت من تحت السطح ، وعادت تحكم الحياة وتحكم الأفكار والنفوس !

ولا شك أن هذا كله كان بطيئًا جدًا وتدريجيًا جدًا .. فالحركات - مهما اشتد أوارها - بطيئة الحدوث في النفوس ، بطيئة التغلغل ، لأن عليها أن تقاوم رواسب كثيرة واعية وغير واعية ، وتصطدم بكثير من العقبات ..

والأفكار التي تبدأ في نفوس أفراد متحمسين ، يقتحمون المخاطر ويرتادون الطريق ، لا تتحول إلى أفكار"جماهيرية"على نطاق واسع ، إلا بعد أجيال من دورتها الخفية في النفوس .

ومن ثم فقد استغرقت"النهضة"قرونا عدة وهي تقاتل سلطان الكنيسة ، وتقيم الحياة - جزءا جزءا - بعيدًا عن سلطان الكنيسة ، ولكنها كانت"لادينية"منذ مولدها ، و"هيلينية"في وجهتها ، وفي استمداداتها وإيحاءاتها ، أي .. بعيدة عن روح الدين .

وقام الصراع .. الخفي والعلني في نفوس الناس بين مفهوم النهضة ومفهوم الدين .

صراع مرير بطيء طويل الأمد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت