الصفحة 13 من 291

فقد كانت ثمار النهضة مغرية ولا شك .. ثمارها الفكرية والعلمية والفنية .. كانت - بالنسبة لأوربا - نورا ينفذ في الظلمات ، وتتفتح عليه العيون مبهورة بعد طول الظلام . وكانت حركة من الركود الآسن المتعفن . والحركة في ذاتها محببة ، لأنها تلبي الفطرة التي تكره السكون . كما أنها كانت تعتمد - في أغوار النفس الأوربية - على الميراث الإغريقي الروماني الذي لم تكن المسيحية قد أطفأته إطفاء كاملا ، إنما كان مكمورًا فقط تحت غشاء الدين ..

كل ذلك يسّر للنهضة أن تمضي قدما في نشر رسالتها في المعرفة والحضارة ، والعلوم والفنون ..

ولكن - من جانب آخر - كانت"العقيدة"عزيزة على الجماهير . فقد صاحبتها ألف سنة أو تزيد . وأيًّا تكن درجة تعمقها ، وأيا يكن تغلغلها الحقيقي في الحياة ، وحكمها لسلوك الناس .. فقد كانت"موجودة"ومؤثرة في وجدان الجماهير . ولم يكن من السهل اقتلاعها ولا محوها من الوجود .

ومن ثم عاشت أوربا فترة من الوقت غير قصيرة بشخصية مزدوجة: مسيحية من ناحية ، وهيلينية من ناحية . مسيحية في داخل الكنيسة ، وهيلينية في واقع الحياة . مسيحية في الوجدان وهيلينية في التفكير .

واستمر هذا"الطور"عدة قرون .

ولكن المعرفة الخفية كانت تدور في داخل النفوس .. وتدور - رويدا رويدا - في صالح الهيلينية المنبعثة في عصر النهضة لا في صالح الدين .. وإن كان الدين - بعد - صاحب سلطان في نفوس الجماهير .

وجاء اليوم الذي وقع فيه الصدام الحاد المدمر العنيف .

وقع على يد دارون ..

فقد أصدر دارون كتابه في"أصل الأنواع"سنة 1859 ، وفي سنة 1871 نشر كتابه في"أصل الإنسان".

ورُسم خط واضح من خطوط التاريخ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت