فمن قبل وقع الصدام بين الكنيسة وبين كوبرنيكوس (1) وجاليليو (2) وجوردانو برونو (3) ، وعذبتهم وأحرقتهم ونكلت بهم أبشع تنكيل حين عارضوا فكرتها في أن الأرض مركز الفلك والإنسان مركز الكون .. وقد تكون الجماهير قد استبشعت عمليات النكال والتعذيب ، ولكنها رغم ذلك وقفت في صف الكنيسة تصفق لانتصارها على"الملحدين".
ثم جاء دارون بالطامة الكبرى حين قال إن الإنسان أصله حيوان ..
وكفرته الكنيسة بلا شك ..
ووقفت الجماهير في بادئ الأمر في جانب الكنيسة . فقد عز عليها بطبيعة الحال أن يصمها دارون بالحيوانية ، وينزع عنها"قداستها"وتميزها ورفعتها ، حين ينزع عنها كرامة الإنسان ويردها إلى أصل الحيوان .
ولكنها رويدا رويدا في المعركة الحادة التي قامت بين دارون وبين الكنيسة ، غيرت موقفها ! فقد وجدت أن هذه فرصة سانحة للإجهاز على ذلك الغول البشع الذي يضطهد الناس بسلطان الدين .
ونسيت الجماهير بعد فترة كرامتها"الإنسانية"الملموزة ، وفرحت بالانطلاق والتحرر .. ولو في إهاب الحيوان ! وحمدت لدارون وقفته"الجريئة"في وجه الطغيان . وحمدت له أكثر من ذلك أنه أعطاها السلاح الجبار الذي تحطم به ما بقي من سلطان الكنيسة الجائر: سلاح"العلم".. سلاح العرفان .
ولكن شيئًا كبيرًا كان قد حدث في هذه الأثناء ..
فكرة"التطور"حلت محل فكرة"الثبات"..
لقد كانت"الحركة"من قبل قد اصطدمت بالثبات فعلا ، وبدأت تزلزله من مكانه . ولكن الصراع كان خفيا ، وكان هينا لينا داخل النفوس . فقد عاشت الهيلينية والمسيحية معًا جنبا إلى جنب في ظل ازدواج الشخصية الذي عاشت به أوربا طوال عصر النهضة وما بعده .. وكان من الممكن أن تستمر في هذا الازدواج فترة طويلة أخرى لولا هذه الأحداث ..
وكان دارون هو الناقوس الذي دق معلنا مجيء الأحداث .
(1) سنة 1473 - 1543 .
(2) سنة 1564 - 1642 .
(3) سنة 1548 - 1600 .