ما دلالة هذه التغيرات بالنسبة للفطرة السوية [ هل هي متمشية معها أم ضدها ] ؟
ما المقياس الذي يقاس به التطور ؟ [ إن كان فاسدًا أو يسير في طريق الصلاح ]
ونبدأ بفرز أنواع التغير التي أصابت البشرية منذ مولدها ، كما يتبين لنا من الدراسة العلمية للإنسان الأول والمجتمعات الأولى ، وكما يتبين لنا من دراسة التاريخ .
هنالك - على الأقل - أربعة أنواع متميزة من التغير أو التطور:
التطور في الأدوات وأساليب الإنتاج .
التطور في التشابك الاقتصادي والاجتماعي في بنية المجتمع .
التطور"النفسي" [ السيكلوجي ] .
التطور [ أو التغير ] الأخلاقي .
والتفسير المادي للتاريخ - وإن لم يفرزها كما نفرزها نحن ، لأن هذا أمر لا يعنيه ! - يجعلها كلها - جملة واحدة - مرتبطة بعضها ببعض ، ثم مرتبطة بالتطور في أساليب الإنتاج وناشئة عنه !
ونحن نرى الارتباط واضحا ووثيقا بين التطور في استعمال الأدوات وأساليب الإنتاح ، والتطور في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع . وإن كنا - كما سيجيء - لا نحب أن نعتقد أن الارتباط ناشئ من علاقة السببية المباشرة . أي لا نحب أن نعتقد أن السبب الوحيد في تطور البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع هو تطور الأدوات وأساليب الإنتاج . فهذا سبب واحد ، ومعه أسباب أخرى نفسية سنبينها . ولكنا نقول فقط إن هناك ارتباطا كبيرًا بين هذا وذاك ..
أما التطور النفسي - أي التعقد في الكيان النفسي للإنسان ، وزيادة التشابك بين أطرافه - فالتفسير المادي للتاريخ يؤكد أنه نتيجة مباشرة لتطور أساليب الإنتاج . ولا شك عندنا أن تطور أساليب الإنتاج عامل مؤثر ، بل شديد التأثير . ولكنا نريد أن نبين - رغم ذلك - أن هذه الظاهرة ، وهي التطور النفسي ، ظاهرة مستقلة إلى حد كبير ، يمكن أن توجد بمنأى عن تطور أساليب الإنتاج ، كما وجدت في الحضارات القديمة ، ووجدت في أعلى مراحلها في الإسلام !