الصفحة 82 من 291

تلك أمور على أعظم جانب من الأهمية في قضية التطور .. فإن القوم المصابين بلوثة التطور في الغرب ، ومن أخذ منهم العدوى في الشرق ، لا يفرقون بين تغير وتغير ، ولا يقيمون مقياسا تقاس به الأمور . لأن التطور - في نظرهم- مقياس لذاته ! لا يُحكم عليه بشيء - كما يقولون - من خارجه ! فإذا سار نحو الفردية الجانحة - مثلا - فلأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تدفع إلى ذلك وتحتمه ، ومن ثم لا يحكم عليه بأنه خطأ أو صواب ! والحكم الوحيد هو الظرف الاقتصادي والاجتماعي . فإذا كان يقتضي الفردية ويحتمها فالفردية عندئذ صواب . وإذا كان يقتضي الجماعية ويحتمها فالفردية إذن - إن وجدت - خطأ ينبغي أن يصحح ! ولا يوجد مقياس ثابت تقاس إليه الفردية الجانحة أو الجماعية الجانحة فتخطّأ أو تصوّب ، وتمنع أو تجاز !

وإذا سار المجتمع نحو الأخلاق التي تحرم النشاط الجنسي خارج نطاق الأسرة ، وتفرض العفة على المرأة ، أو عليها وعلى الرجل ، فليس ذلك لأن هذه الأخلاق قيمة موضوعية لها مقياس من فطرة الإنسان تقاس إليه ، وإنما لأن الطور الاقتصادي الاجتماعي يقتضيها ويحتمها ، فهي صواب إذن في نطاقها هذا وظروفها تلك . فإذا تغير الظرف الاقتصادي والاجتماعي ، وصار يقتضي التحلل الجنسي والإباحية ، والتخلص من قيود العفة ، وممارسة النشاط الجنسي الحر في الشوارع أو الغابات أو شواطئ البحيرات ، فهذا إذن صواب بمقياسه الخاص ، لأنه لا مقياس من الفطرة ولا مقياس من أي شيء"خارج"الظرف الاقتصادي والاجتماعي ..

وهكذا يقولون في كل جانب من الحياة البشرية ..

لذلك ينبغي ونحن نناقش هذه القضية الخطيرة أن نضع نصب أعيننا تلك الأمور التي أشرنا إليها آنفا:

ما أنواع التغير ؟ [ فإنها أنواع متباينة ] ..

هل التغيرات التي حدثت في التاريخ جزء من الفطرة أم أمور جدّت عليها من خارجها بفعل التطور المادي ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت