وأما التطور [ أو التغير ] الأخلاقي فنحن نرفض ابتداء أن نعلقه بتطور أساليب الإنتاج ! ونحتكم في ذلك إلى شهادة التاريخ !
ولكنا - قبل المضي في البحث - نؤكد حقيقة تهدينا إليها الدراسة النفسية ، وهي أنه لا توجد في الحياة البشرية ظاهرة مستقلة تمام الاستقلال عن الأخرى ! إنما قلت عن التطور النفسي إنه ظاهرة مستقلة إلى حد كبير . ولم أقل منفصلة . لأنه لا انفصال البتة بين شيء وشيء في الحياة البشرية . الإنسان يمارس حياته بكيانه كله . وهذا الكل الشامل الذي يتكون منه الإنسان يحتوي على جوانب متخصصة ، ولكنها ليست منفصلة . كعملية الإبصار يختص بها الجهاز البصري ، فلا يبصر الإنسان برجله أو بظهره أو بأذنه . ومع ذلك لا ينفصل الجهاز البصري عن بقية الجسم وكما توجد في الجسم أجهزة شديدة التخضض كجهاز الإبصار أو السمع ، فإن فيه كذلك أجهزة أقل تخصصا [ أ وأوسع نطاقا ] كجهاز الدورة الدموية الذي يدخل في كل أجزاء الجسم . وكذلك الأمر في الكيان البشري في مجموعه: فالتطور في استخدام الأدوات وأساليب الإنتاج يؤثر في الحياة البشرية كلها . نعم ولا شك . ولكن التطور النفسي والتطور الخلقي عمليتان شديدتا التخصص كالسمع والإبصار !
وننتقل بعد هذا من الإجمال إلى التفصيل ..
حين انتقل الإنسان من أكل الفريسة النيئة إلى الطهو على النار .. إلى استخدام السكين .. إلى التأنق الشديد في الطعام . إلى وضع القواعد والآداب والتقاليد بشأنه . إلى تحويل الطعام إلى"فن"قائم ذاته ..
وحين انتقل من سكنى الكهوف إلى سكنى الأشجار إلى سكنى الأكواخ .. إلى بناء البيوت من الطين .. إلى إقامة العمائر الفخمة ذات الهندسة المتقنة .. إلى التأنق إلى تحويل السكنى إلى"فن"قائم بذاته سواء في المبنى أو ما في داخل المبنى من الأثاث ..