إن قوما سيقولون بلا شك: لقد تحدثت عن الإنسان من الداخل . ولم تتحدث عن واقع البشرية: عن الكيان الاقتصادي والكيان الاجتماعي والسياسي المتغير . عن الإنتاج وأساليبه وصراعاته . عن التقدم والتطور الدائم في حياة الإنسان ..
نعم . تحدثنا عن الإنسان من الداخل ..
ولكن .. هل الحياة الواقعية إلا الانعكاس الحقيقي لكيان الإنسان ؟!
كيف إذن نوفق بين الكيان الإنساني الثابت ، وبين تغير الحياة الإنسانية على الدوام ؟
إن"الصورة"التي يترجم بها الإنسان عن دوافعه الفطرية تتغير و"تتطور"من جيل إلى جيل .. تتطور بفعل الاحتكاك الدائم بين العقل البشري والكون المادي ، ونشوء صور جديدة للحياة الواقعية نتيجة لهذا الاحتكاك .
هذه حقيقة ..
ولكن .. حين تتغير"الصورة".. هل يتغير"الإنسان"؟!
فلنأخذ مثلا نزعة الطعام ..
إنها نزعة فطرية ثابتة في جميع الأناسي ، بل في جميع الأحياء ، ولكن"صورة"الطعام تتغير وتتطور .
يأكل الإنسان فريسة نيئة في عصر الصيد ، لأنه لا يملك وسيلة أخرى للأكل . إمكانياته المادية لا تسمح له بأكثر من ذلك . ومعارفه ومعلوماته قاصرة عند هذا الحد . ثم يكتشف النار . فيتيح له هذا الاكتشاف عالما جديدا كل الجدة ، ويغير"شكل"حياته كله . وفي ميدان الطعام بصفة خاصة تتغير الصورة ، فيطهو الإنسان اللحم قبل أن يأكله . ولكنه ما زال ينهشه نهشا بالأصابع والأسنان . ثم يرتقي ويستحدث مختلف الأدوات . يستحدث سكينا يقطع بها اللحم قطعا ضغيرة يستطيع إمساكها بيده ووضعها - لا نهشها - في فمه . ثم يرتقي أكثر ، ويستحدث مزيدا من الأدوات ، وتتعدد ألوان طعامه ، ويتأنق فيها ، ويجعل للطعام آدابا وقواعد وتقاليد .. و"فنونا"لا تفرغ منها البشرية !
ما الذي تغير ؟! نزعة الطعام ذاتها أم صورة الطعام ؟!
ولنأخذ مثلا نزعة السكن ..