وقد ناقشت هذا الأمر في كتاب"الشبهات"وكتاب"الدراسات". وما بي من ميل هنا إلى إعادة المناقشة التفصيلية التي بينت فيها ضلال هذه الدعوى وبطلانها . ولكني - توفيرًا للجدل هنا - أقول إن الشيوعية ذاتها ، حين نقلت"الملك"من الفرد إلى المجموع ، لم تنكر نزعة الملك في الحقيقة من حيث هي .. وإنما أرادت فقط أن تتحايل عليها وتوجهها إلى أفق آخر يخدم أغراضها المذهبية .. ومع ذلك فقد اضطرت أخيرًا إلى التسليم بالأمر الواقع ، وأباحت ألوانًا من الملكية الفردية - في المواد الاستهلاكية - ترضى بها نزعة الملك الفردية في الإنسان .. وهذا يكفي !
كذلك حاولت الشيوعية أن تصنع مثل ذلك في نزعة البروز . حاولت أن تقتلها في مجالها الفردي . فلا يبرز الفرد إلا لحساب المجموع ! وسارت خطوات وتخبطت في الطريق ! وكان ستالين ذاته - بزعامته الفردية الطاغية التي اعترف بها خروشوف فيما بعد ! - أكبر تكذيب عملي لهذه"الأيديولوجية"الخيالية الفارغة . ثم عادت الشيوعية فسلمت بالأمر الواقع ، وأباحت التفاوت في أجور العمال - أجور الطبقة الواحدة والعمل الواحد - لمن أراد أن يبذل جهدًا أكبر ويحصل على أجر أكبر ، ينفقه في"الكماليات".. إنها نزعة البروز إذن في صورة من الصور .. الفردية في نهاية المطاف !
أما نزعة القتال والصراع ، فالأمم منذ القدم حاولت أن توجهها وجهة جماعية ، في الحرب من أجل المجموع ، أو العقيدة ، أو ما شابه ذلك من الأهداف العامة . أو وجهة فردية متسامية ، في المسابقات التي تهدف إلى"الفوز"وهو غاية القتال والصراع . وكل هذه المحاولات لا تنفي على أي حال وجود هذه النزعة في صورتها الفردية ، وإنما تحاول فقط أن تستغلها لخير المجموع .
تلك نوازع الفطرة الرئيسية .. فما الذي يتغير أو يتطور فيها على مدار التاريخ ؟!