إن الإنسان المزدوج الطبيعة ، المكون من قبضة الطين ونفخة الروح ، متحدتين ممتزجتين (1) ، يحمل في كل تصرفاته وجهين متقابلين . ومن مجالات هذا الازدواج أن توجد فيه هاتان الصفتان المتقابلتان: السلبية والإيجابية ، وأن تشملا - من الجانبين - كل تصرفاته ، في اللحظة الواحدة وفي جميع اللحظات . وإن كان في طبيعته أن يجنح أحيانا بهذه الصفة أو تلك ، فتزيد نسبتها مؤقتا ، ثم يعود - ما دام سويا - إلى الاتزان . وتلك هي الحقيقة الكبرى التي غابت عن وعي تلك التفسيرات ، فوقعت فيما وقعت فيه من انحرافات !
والآن نعود إلى القضية الأساسية في هذا البحث .. قضية الثابت والمتطور في كيان الإنسان .
ما"الفطرة"الإنسانية .. وما دلالتها في حياة الإنسان ؟
وإذا كانت للإنسان فطرة"ثابتة"فما تفسير التغير الدائم في حياة البشرية الذي يصل من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال ، والذي لا تتماثل فيه حالتان من حالات الإنسان ، وإن تشابهتا تشابها شديدًا في بعض الأحيان ؟
بل قبل ذلك .. ما الذي يثبت لنا أن للإنسان"فطرة"على الإطلاق ؟ ولماذا لا يكون - كما يفسره علم النفس التحليلي - مجموعة من الحالات النفسية المتتابعة بلا وحدة ، أو - كما يفسره التفسير المادي للتاريخ - مجموعة من الأطوار ؟
الذي يثبت ذلك هو الإنسان ذاته ! وهو تاريخ الإنسان !
فلننظر إلى"الدوافع الفطرية".. هل لها وجود حقيقي ملموس بارز .. وهل هذا الوجود ثابت أم يتغير بتغير"أطوار"الإنسان ؟
(1) انظر بالتفصيل فصل"خطوط متقابلة في النفس البشرية"في كتاب"منهج التربية الإسلامية"وفصل"طبيعة مزدوجة"في كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".