التفسير المادي للتاريخ الذي يضع همه كله في التغيرات المادية وتطور أساليب الإنتاج ، يعجز بداهة عن تفسير موقفين متشابهين من الناحية"الإنسانية"لا شبه بينهما على الإطلاق في عالم المادة وأساليب الإنتاج !
والتفسير الجمعي الذي يضع همه كله في العقل الجمعي ، والقهر الاجتماعي الواقع على الفرد الذي لا تحكمه الفطرة .. يعجز عن تفسير الموقفين المتشابهين ، إلا على فرض واحد - لا يريد أصحابه الاعتراف به - هو أن يكون هذا العقل الجمعي - على فرض التسليم بوجوده - جزءا من فطرة الإنسان !
ولا تفسير لشهادة التاريخ إلا تفسير واحد: أن يكون للإنسان فطرة ، وأن يكون لهذه الفطرة لون من الثبات ! وكل تفسير خلاف ذلك فهو عاجز عن التفسير ، متمحل ، مجانب للصواب !
ما الذي أغرى تلك التفسيرات المنحرفة أن تصنع هذا الصنيع"بالإنسان"؟!
إنها مزية الإنسان العظمى ، التي ميزه الله بها عن الحيوان ، هي ذاتها التي تجعل هذه التفسيرات المنحرفة تنزله من مكانه الرفيع ، فترده إلى وضع أسوأ حتى من الحيوان !
المرونة .. وتعدد الجوانب !
ويعجب الإنسان حين ينظر إلى تلك التفسيرات القاصرة الزائفة ، كيف تشوه المزية التي وهبها الله للإنسان ، ليوسع حياته ويثريها ، ويعدد أنماطها ومستوياتها ، واتجاهاتها وألوان نشاطها .. فتقلبها - في تفسيرها - أداة للسلبية والخنوع ، والانطباع الدائم بالمؤثرات المادية"المستقلة عن إرادة الإنسان"أو القهر الاجتماعي"المستقل عن كيان الفرد".. أو ما شابه ذلك من المؤثرات
المرونة التي مكنت الإنسان أن"يواجه"البيئة المادية في جميع ظروفها وحالاتها ، فيسيطر عليها في النهاية على نحو من الأنحاء ["وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ"] (1) ولا يفنى ولا يدول حين تواجهه الصعاب .
(1) سورة الجاثية [ 13 ] .