التفسير المادي للتاريخ يحاول أن يفسر الإنسان من الخارج .. يحاول أن يفسره على أنه هو في ذاته عجينة لينة قابلة للتشكل الدائم ، ومهمتها هي التشكل الدائم .. لا قوام لها في ذاتها .. وإنما تستجيب دائما للمؤثرات .. ومن ثم تأخذ صورة القالب - الاقتصادي والمادي - الذي توضع فيه ، ولا تضغط هي على الحوادث أبدا ، ولا يكون لها هي التأثير على هذا القالب ، لأنه"حتمي"من ناحية ، ومن ناحية أخرى"مستقل عن إرادة الناس" [ كارل ماركس ] (1)
والتفسير الجمعي للتاريخ يحاول كذلك أن يفسر الإنسان من الخارج .. يحاول أن يفسره على أنه - أراد أو لم يرد - يتشكل على الدوام"بالقهر"الاجتماعي الذي لا يراعي مشاعر الفرد ولا رغباته ، ولا علاقة له بها [ دركايم ] (2) وعلى أن الظواهر الاجتماعية لا صلة لها"بفطرة"الإنسان .. فالأمور التي يُظن أنها من الفطرة ، كالدين والزواج والأسرة ، والقيم الخلقية ، ظواهر اجتماعية في حقيقتها ، قد يرتضيها الفرد وقد لا يرتضيها ، ولكنها"تكون".. وبالتالي ، فإنه إما ألا تكون للإنسان فطرة ثابتة .. وإما أن هذه الفطرة - على فرض وجودها - ليست مرجعا لحياة الإنسان !!
ثم تجيء شهادة التاريخ فتكذب هذا وذاك !
فكلا التفسيرين يعجز عن تفسير هذا التشابه العجيب في الحياة الاجتماعية الذي يفصل بينه ألفا عام ..
(1) "في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محددة لا غنى عنها . وهي مستقلة عن إرادتهم . وعلاقات الإنتاج تطابق مرحلة محددة من تطور قواهم المادية في الإنتاج . والمجموع الكلي لهذه العلاقات يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع . وهو الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه النظم القانونية والسياسية ، والتي تطابقها أشكال محددة من الوعي الاجتماعي" [ ماركس ] .
(2) مرت بنا مقتطفات من أقواله في فصل سابق .