إنه لا يعترف أن الكيان النفسي للفرد هو أساس الحياة الاجتماعية . بل العكس في نظره أقرب إلى الصواب . إن الحياة الاجتماعية هي التي تشكل مشاعر الفرد . وعليه فلا يجوز أن نفسر الحياة من نفسية الفرد كما يصنع علم النفس كله ، وإنما ينبغي أن نفرق بين الظاهرة النفسية والظاهرة الاجتماعية تفريقًا كاملا ، حتى وإن قام بينهما - أحيانا - نوع من الاتصال:
"ولكن الحالات النفسية التي تمر بشعور الجماعة تختلف في طبيعتها عن الحالات التي تمر بشعور الفرد ، وهي تصورات من جنس آخر ، وتختلف عقلية الجماعات عن عقلية الأفراد ، ولها قوانينها الخاصة بها" (1)
".. إن ضروب السلوك والتفكير الاجتماعيين أشياء حقيقية توجد خارج ضمائر الأفراد ، الذي يجبرون على الخضوع لها في كل لحظة من لحظات حياتهم" (2)
"ولكن لما كان هذا العمل المشترك [ الذي تنشأ عنه الظواهر الاجتماعية ] يتم خارج شعور كل فرد منا ، وذلك لأنه نتيجة لعدد كبير من الضمائر الفردية ، فإنه يؤدي بالضرورة إلى تثبيت وتقرير بعض الضروب الخاصة من السلوك والتفكير ، وهي تلك الضروب التي توجد خارجة عنا ، والتي لا تخضع لإرادة أي فرد منا" (3)
"ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه الطريقة [ التي تفسر الظواهر الاجتماعية من داخل نفوس الأفراد ] على الظواهر الاجتماعية اللهم إلا إذا أردنا تشويه طبيعتها ! ويكفي في البرهنة على ذلك أن نعود إلى التعريف الذي سبق أن حددنا به الظواهر الاجتماعية . فلما كانت الخاصة الجوهرية التي تمتاز بها هذه الظواهر تنحصر في القيام بضغط خارجي على ضمائر الأفراد ، كان ذلك دليلا على أنها ليست وليدة هذه الضمائر" (4)
(1) قواعد المنهج في علم الاجتماع تأليف إميل دركايم ، ترجمة الدكتور محمود قاسم ومراجعة الدكتور السيد محمد بدوي - مقدمة الطبعة الثانية ، ص 15 .
(2) ص 22 من المصدر السابق .
(3) ص 25 .
(4) ص 166 .