وليس هنا مجال مناقشة فرويد ، فقد ناقشته كثيرًا وطويلًا في كل الكتب السابقة . (1) ولكنا نلحظ فقط شيئًا بارزا في نظريته النفسية .. فقد كان الجنس - في أوربا المسيحية المتزمتة [ رغم بدء الانحلال الخلقي فيها ] . طاقة مستقذرة ، ينفر الناس من الحديث عنها وكشفها للنور , فيجيء فرويد ، فيصر إصرارًا محموما على أن يفسر النفس كلها ، بجميع ألوان نشاطها ، من خلال هذه الطاقة المستقذرة بالذات ! ويصر - أكثر من ذلك [ وهذا هو المهم ] - على أن يفسر الدين والأخلاق بصفة خاصة بأنها انبثاق جنسي .. وجنسي على وجه التحديد !!
مصادفة .. !!
الحياة كلها جنس ، ومنبثقة من خلال الجنس ..
والجنس يبدأ مبكرًا جدًا .. لا في مرحلة البلوغ أو المراهقة كما يحسب الجهلاء من الناس .. وإنما .. من لحظة الميلاد . بل يولد الإنسان جنسًا خالصا مركزا في إهاب طفل حيواني صغير !!
كل أعمال اطفل تعبير عن طاقة الجنس .
الرضاعة جنس . ومص الإبهام جنس . وتحريك العضلات جنس . والتبول جنس . والتبرز جنس . والالتصاق بالأم جنس . وهذا الأخير بصفة خاصة هو الذي يشكل الحياة النفسية للبشرية كلها أفرادًا وجماعات !
فالطفل يعشق أمه بدافع الجنس . ثم يجد الأب حائلا بينها وبينه فيكبت هذا العشق . فتنشأ في نفس عقدة أوديب . [ والطفلة تعشق أباها بدافع الجنس كذلك ثم تكبت العشق فتنشأ في نفسه عقدة إليكترا ] . ومن هذه العقدة اللعينة ينشأ الضمير والدين والأخلاق والتقاليد ، وكل"القيم العليا"في حياة البشرية !!
والأمر كله مستمد من تلك الحادثة التي"رآها !"فرويد في منشأ تاريخ البشرية !
(1) بصفة خاصة فصل"فرويد"من كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام".