إنه - ككل باحث نفسي - يرسم صورة ثابتة لكيان الإنسان ، وإن كان في كتابه Totem & Taboo [ وربما كان في هذا الكتاب وحده ] يأخذ جانب التطور أيضًا ، وهو يتحدث - إلى جانب سيكلوجية الفرد - عن سيكلوجية الجماعات ، وعن تطور الدين وتطور المحرمات .. ولكنه يرسم هذه الصورة من جانب الحيوان لا من جانب"الإنسان".
ولئن كان ماركس قد تحدث عن الدين والأخلاق ، وسخافتهما وبعدهما عن أن يكونا قيما أصيلة ، في ظل البحث"العلمي"في الاقتصاد ، فإن فرويد قد تحدث عن الموضوع ذاته والاتجاه ذاته في ظل البحث"العلمي"في علم النفس .
إن ميدان بحثه هو النفس الإنسانية .. هو المشاعر والانفعالات .. هو العالم"الداخلي"في مواجهة العالم"الخارجي"الذي تحدث عنه ماركس . النفس في نظره هي الميدان الأصيل للحياة ؛ عن تركيبها الذاتي تنبثق الأفعال والأفكار والمشاعر ، وتتحول إلى وقائع عملية في واقع الحياة .. أي أنه - من جهة البحث - يأخذ بالضبط الجانب المقابل لماركس ، ومع ذلك - ومن عجب - يصل معه إلى النتيجة ذاتها في موضوع الدين والأخلاق ، ويتخذ في بحثه نفس التفسير الحيواني للحياة الإنسانية وللإنسان !
مصادفة .. !!
ولكن الحق أن الصورة التي يرسمها فرويد للنفس الإنسانية - وإن التقت مع ماركس في النهاية عند نقطة تسخيف الدين والأخلاق ، واعتبارهما قيما غير أصيلة في الحياة البشرية ، وإنما انعكاسا لشيء آخر ، مادي في أصله وحيواني - فإن فرويد كان أفحش وأخطر في تلويثه لتلك النفس ، والانحطاط بها إلى الحضيض .
إن الحياة النفسية للإنسانية ليست حيوانية فحسب ، ولكنها - كلها - تنبع من جانب واحد من جوانب الحيوان ، هو الجنس المسيطر على كل أفعال الإنسان .