أما اليهود الثلاثة فلم يأخذوا على عاتقهم رد أوربا إلى صوابها بعد هزة التطور ، وإنما أخذوا على عاتقهم أن ينفخوا في انحرافاتها بقوة وعنف ، وإصرار وتمكن ، حتى تزيد الهوة اتساعا وتشتد سرعة الانزلاق .
كانت نظرية دارون قد أعطت إيحاءين متصاحبين: الإيحاء بالتطور الدائم الذي يلغي فكرة الثبات ، والإيحاء بحيوانية الإنسان وماديته ، بإرجاعه إلى الأصل الحيواني من ناحية ، وحصر القوى التي تؤثر فيه من ناحية أخرى بالقوى المادية الممثلة في"البيئة"أو على الأكثر في"الطبيعة"، وإغفال الجانب الروحي إغفالًا تامًا ، وإغفال تدخل الله في عملية الخلق أو عملية التطور سواء (1) .
ومن هذين الإيحاءين - أحدهما أو كليهما ، ومتصلين أو منفصلين - أخذ العلماء الثلاثة: ماركس وفرويد ودركايم .
فأما ماركس فقد كان ميدان بحثه علم الاقتصاد ، ولكنه لم يقصر بحثه على دراسات أكاديمية في علم الاقتصاد ، وإنما وضع مذهبًا كاملا ، يتناول تصورًا كاملا للحياة من زاوية معينة ، يتمثل فيها الإيحاءان الداروينيان متصلين متصاحبين .
فهو قد وطد أركان التفسير المادي للتاريخ ، وهو تفسير يجعل للقوى المادية السلطان الأكبر على نشاط الإنسان كله ، كما يجعل هذا النشاط ماديًا بصفة أساسية ، ومنبعثا عن الكيان الحيواني للإنسان .
القوى المادية - والاقتصادية - هي العنصر الفعال في تاريخ البشرية:
"في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها ، وهي مستقلة عن إرادتهم .. فأسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يحدد صورة العمليات الاجتماعية والسياسية والمعنوية في الحياة ، ليس شعور الناس هو الذي يعين وجودهم ، بل إن وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم [ كارل ماركس ] ."
(1) قال دارون:"إن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله ، هو بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت".