الصفحة 31 من 291

ولقد عرف المسلمون التطور معرفة وثيقة ، وصاحبوه مصاحبة عميقة في تاريخهم الحيّ كله ، فلم ينحرفوا به عن سواء السبيل .

عرفوه في فقههم ، حين قال عمر بن عبد العزيز:"يجدّ للناس من الأقضية ( أي الأحكام ) بقدر ما يجدّ لهم من القضايا". وحين أخذ الفقهاء هذا الاتجاه فنمّوا الفقه بالاجتهاد حتى شملوا به كل ما جدّ في حياة الناس من أحداث ووقائع واتجاهات .

وعرفوه في علمهم: يقول"دريبر"الأمريكي في كتابه"النزاع بين العلم والدين":"وإننا لندهش حين نرى في مؤلفاتهم من الآراء العلمية ما كنا نظنه من نتائج العلم في هذا العصر . ومن ذلك أن مذهب النشوء والارتقاء للكائنات العضوية الذي يعتبر مذهبًا حديثًا ، كان يدرس في مدارسهم . وقد كانوا ذهبوا منه إلى مدى أبعد مما وصلنا إليه ، وذلك بتطبيقه على الجامدات والمعادن أيضًا" (1) .

وظلوا مع ذلك مؤمنين بإنسانية الإنسان ، ومؤمنين بالأخلاق . ذلك أنهم كانوا يؤمنون بالله .

(1) عن كتاب"الإسلام دين علم خالد"للأستاذ محمد فريد وجدي ص 233 من الطبعة الثانية . وينبغي الاحتراس هنا من مثل هذا القول وإن كان يقال في معرض إنصاف الإسلام والفكر الإسلامي . فالذي اهتدى إليه المسلمون في تفكيرهم شيء آخر غير مذهب النشوء والارتقاء كما قرره دارون وولاس . لقد لاحظوا التدرج في مراتب المخلوقات من الجوامد إلى الإنسان . ولكنهم لم يقولوا - كما قال دارون - إن الإنسان من أصل حيواني ، ولم يبخسوه قدره ولا نفوا عنه مزاياه التي تفرد بها ، وردوا تميزه - ابتداء - إلى إرادة الله الصريحة من خلقه هكذا متميزا متفردا ليصبح خليفة الله في الأرض . ومن ثم عرفوا فكرة التطور ولكنها لم تتحول في تفكيرهم إلى لوثة مدمرة كما حدث في الفكر الغربي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت