الصفحة 237 من 291

إن العقيدة المدركة الواعية - كما رأينا في بحثنا من قبل ، وكما رأينا من كلام جوليان هكسلي نفسه وهو ملحد - (1) ركيزة من ركائز"الإنسان"تميز بها عن الحيوان (2) . فإلغاؤها - أو إهمالها - ارتداد عن خاصية الإنسان بحتة ، ورجعة إلى الوراء !

وقد لمسنا بالفعل آثارها في حياة هذا الجيل من البشرية .

فقد أنتجت - أول ما أنتجت - ذلك التمزق في نفس الإنسان . التمزق بين حاجة النفس الفطرية إلى خالقها ، وحاجتها إلى الأمن الاجتماعي والسياسي و"الحضاري".. الذي يأبى الغرب في موجته الملحدة الكافرة اليوم أن يربطه بالعقيدة في الله !

وأنتجت - فيما أنتجت - ذلك القلق النفسي والروحي الذي يفسد أعصاب الناس في الغرب . ففي وسط هذا الصراع المدمر الرهيب الذي يخوضه الناس في في كل لحظة وفي كل جانب من جوانب الحياة: صراع في عالم المادة وصراع في عالم الأفكار وصراع في عالم السياسة وصراع في داخل المجتمع وصراع في داخل النفس المفردة .. في وسط هذا الصراع المدمر الرهيب يحتاج الإنسان إلى سند . يحتاج إلى قوة ثابتة يرتكن إليها . يحتاج إلى من يمسح على قلبه المتعب وضميره الحيران . يحتاج إلى اليد الحانية التي تمسك به في أزمته وتقوده إلى الطمأنينة والهدوء ..

يحتاج إلى الله ...

و"الحضارة"الغربية تنهاه - بتوجيهاتها وتنظيماتها - أن يلجأ إلى الله ! تنهاه أن يلجأ إليه في السياسة ، أو يلجأ إليه في الاقتصاد . أو يلجأ إليه في تنظيم المجتمع . أو يلجأ إليه في وضع دستور للآداب والأخلاق والسلوك . أو يلجأ إليه في الفن ... وإنما يلجأ إليه - إذا شاء بعد هذا كله - في سويعة عابرة في الصلاة في الكنيسة . ثم يعيش بقية يومه وبقية عمره في جو مضاد للعقيدة ، واقف لها بالمرصاد !

فيتمزق ويقلق .. ويضطرب ويحتار ..

ويهبط في ميزان"الإنسان"..

(1) ص 83 من هذا الكتاب .

(2) انظر كتاب الدراسات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت