وإنما للبشرية كافة . وفي جميع أعصرها:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"و"العالمين"لفظ يشمل الزمان والمكان على أقصى اتساع . بلا حدود !
لذلك لم يضع الإسلام - في الأمور المتغيرة - أحكاما تفصيلية .
لقد وضع التشريعات التفصيلية الثابتة في الأمور الثابتة في أعماق الفطرة . التي لا تتغير . أي لا ينبغي أن تتغير . لأن كل تغير فيها هو انحراف ضار بحياة البشرية [ راجع شهادة القرن العشرين ! ]
أما الأمور المتغيرة - ولو أن مبادئ الشريعة العامة تحيط بها وتشملها - فلم ترد فيها أحكام تفصيلية عرضة لأن تتحطم عند أول نمو يحدث في المجتمع .. وهو حادث لا محالة !
لو وضع تشريعات اقتصادية تفصيلية ثابتة للمجتمع الرعوي القبلي ، لحطمها النمو الزراعي ، ثم النمو الصناعي ، وجعلها غير صالحة للاستعمال . ولكان ذلك في الوقت نفسه قيدا يعوق المجتمع عن النمو الفطري الصحيح .
ولو وضع صورة محددة لشكل الحكومة ، مفصلة على قد الحكومة"المدينة"مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو على قد الجزيرة العربية القريبة العهد بالنظام القبلي ، لما صلحت هذه الحكومة لمجتمع الجزيرة العربية ذاته بعد جيل واحد من الزمان ، بعد الفتوح والامتداد ، والاحتكاك بشتى النظم والحضارات ، ونمو الحاجات ..
وحاشا لله أن يكون نظامه الدائم عرضة لهذه الاضطرابات ..
وإنما كان موقف الإسلام من هذا الأمر ، هو موقفه في كل أمر .. المطابقة الكاملة مع الفطرة !
"إطار"ثابت يسمح بكل أنواع النمو الفطري الصحيح . وأسس عامة تحدد الاتجاه وتعين الطريق وتمنع الانحراف . وتسمح بأشكال متعددة تقوم كلها على القواعد الكلية والمبادئ الثابتة ، كما تقوم على الخصائص المميزة للنظام الإسلامي ، التي تفرقه وتميزه عن الأنظمة التي وضعها البشر لأنفسهم .