الصفحة 213 من 291

ولكن .. لا ينبغي أن ننسى أن إنشاء نظم اقتصادية جديدة لا يتوقف حتما على تغير أساليب الإنتاج كما زعم التفسير المادي للتاريخ . فقد رأينا كيف أنشأ الإسلام نظامًا اقتصاديًا متفردًا ، غير مسبوق من قبل ، وهو في الوقت ذاته غير قائم على أي ضرورة اقتصادية ولا على أي تطور في أساليب الإنتاج ! وكذلك أنشأ صورة جديدة للمجتمع ، وصورة جديدة للحكومة ..

إنما يحدث - في المعتاد - أن تتواكب التطورات كلها وتتصاحب .. وينشأ عنها تغيرات دائمة في صورة الحياة البشرية . وهذا هو الذي نناقشه في هذه الفقرة ، لنرى موقف الإسلام من هذه التطورات .

كما واجه الإسلام الجانب الثابت من الكيان البشري بتشريعات وتوجيهات تناسبه وتتلاقى معه ، بحيث ينطبقان انطباقًا كاملا في كل لحظة [ فيما عدا حالات الانحراف بطبيعة الحال: حيث تفترق الصورة المطلوبة عن الصورة الواقعة بسبب الانحراف لا بسبب التطور . وينبغي في تلك الحالة إعادة الأمر إلى وضعه الصحيح ] .. كذلك يواجه الإسلام الجانب المتطور بتشريعات وتوجيهات تناسبه وتتلاقى معه ، بحيث ينطبقان انطباقًا كاملا في كل لحظة .. ما عدا حالات الانحراف !

إن عملية النمو العلمي والمادي ، والاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، عملية فطرية . والتغير الدائم فيها فطري وطبيعي . ولكن ليس معنى هذا أن كل تغير يحدث يكون طبيعيًا وملائما للفطرة ! فالفطرة عرضة دائما للانحراف حين يساء توجيهها [ أو حين تترك بلا توجيه صالح ! ] وعندئذ تنمو حقيقة ، ولكنها تنمو نموًا منحرفًا . كالطفل الذي ينمو بساق معوجة . إنه ينمو- كما تقتضي الفطرة أن ينمو - ولكن من يقول إن نموه سليم ؟!

إنهما أمران معا في ذات الوقت: النمو .. واستقامة النمو على الفطرة . وهذا ما يراعيه الإسلام !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت