إن من الخطوط المتقابلة في النفس البشرية: الفردية والجماعية . والسلبية والإيجابية . كلاهما موجود وجودا فطريا في الإنسان . كلاهما أصيل . ليس أحدهما مفروضا على الإنسان من خارج كيانه . وكلاهما يؤثر فيه . وهو قابل للتأثر من كلا طرفيه بصورة فطرية ، لا من طرف واحد فحسب .
والذي يجعل الإنسان في المجتمع يقوم بأعمال لا يرضى عنها كفرد ، بل يستنكرها حين يخلو إلى نفسه ، ليس هو"القهر الاجتماعي"في كل حالة ، وإنما هو في كثير من الحالات"المشاركة الوجدانية"! أي الرغبة - الفطرية - في مشاركة الآخرين ولو على حساب الكيان الفردي ، لفترة من الوقت وليس كل الوقت !
والذي يهدم دعوى دركايم ، أن القهر الاجتماعي - وهو حقيقة في كثير من الحالات - لا يستطيع مهما أوتي من قوة وضغط أن يلغي فطرة الفرد . فطرة الإنسان . وإن كبتها إلى حين . فكل الضغط الذي مارسته الشيوعية لم يستطع إلغاء النزعة الفردية للتملك ! فاضطرت الشيوعية إلى التراجع ! كما أن"الثورات"هي التعبير الدائم عن رفض الخضوع للقهر . ومع أن الثورة ذاتها ظاهرة"جماعية"إلا أنها ولا شك تتجمع من نفوس الأفراد . بل قد تبدأ بفرد واحد ثأئر ، يجمّع حوله الآخرين . يجمعهم من داخل فطرتهم . من عدم رضاهم عن القهر .
فالجماعية التي تطغى أحيانا على الفرد . والسلبية التي تسكت أحيانا على القهر ، كلتاهما نزعة فطرية . ومن ثم تصبح كل الظواهر الاجتماعية في النهاية فطرية . سواء كانت سليمة أو معتلة . فالفطرة عرضة للانحراف وعرضة للاعتدال . ومن اعتدالاتها وانحرافاتها تنشأ اعتدالات الفرد وانحرافاته ، واعتدالات المجتمع كذلك وانحرافاته .