ونبدأ بمناقشة تلك الأسطورة التي زعمها دركايم .. أسطورة"العقل الجمعي"الذي يحكم الأفراد بغير مقتضى فطرتهم ، ويفرض عليهم ما لا يرغبون فيه بطريقة القهر الاجتماعي الذي لا يملك الفرد رده ولا التصرف فيه . إنها أسطورة عجيبة إن لم نقل كذلك خبيثة فقد انتهى منها كما رأينا إلى أن الأسرة ليست فطرة [ أي أن البديل - وهو الفوضى الجنسية - ممكن الحدوث بصورة طبيعية إذا أراد ذلك العقل الجمعي ! ] والدين ليس فطرة [ أي أن البديل - وهو التحلل الديني - ممكن الحدوث بصورة طبيعية إذا أراده العقل الجمعي ] وأن الجريمة ليست ظاهرة اجتماعية معتلة ! وإنما هي ظاهرة اجتماعية طبيعية ومفيدة للمجتمع !! [ كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع ( ص 118 من الترجمة العربية ) :"ومن ثم تكاد تكون الجريمة الظاهرة الوحيدة التي تنطوي بصفة لا تقبل الشك على جميع أعراض الظاهرة السليمة"ص 119"ولكن معنى ذلك أيضا أننا نؤكد من جهة أخرى أن الجريمة عامل لا بد منه لسلامة المجتمع . وأنها جزء لا يتجزأ من كل مجتمع سليم"! ]
إن هذه الأسطورة كلها تقوم على شيء واحد: أن الإنسان الفرد يقوم في أثناء وجوده في"الجماعة"بأعمال قد لا يرضى عنها أو يرغب فيها . بل قد يستنكرها إذا خلا لنفسه فيما بعد !
وهذه - ولا شك - حقيقة ! ولكن ما دلالتها ؟!
إن هؤلاء السادة"العلماء"الكبار يغفلون عن حقيقة"فطرية"كبيرة ، هي ازدواج الطبيعة الإنسانية (1) ويفسرون الإنسان دائما بأحد جانبيه دون الآخر ، ومن ثم يتمحلون الأسباب للوجه الآخر - الموجود دائما - فيفسرونه بتفسير آخر"خارج"كيان الإنسان ! فتارة يكون المادة . وتارة يكون المجتمع . وتارة يكون ... !
(1) انظر فصل"طبيعة مزدوجة"في كتاب الدراسات .