الصفحة 173 من 291

وقد انعكس هذا المفهوم الإسلامي عن وحدة البشرية وأخوتها في مجموعة من التشريعات والتوجيهات والتقاليد ، لم يكن لها مثيل في تاريخ الأمم الأخرى كلها ، خارج نطاق الإسلام .

فقد انبثق من هذا المفهوم بادئ ذي بدء أن يكون المسلم هو القاعدة الأولى للبشرية . فهذا هو الذي يتناسب مع أبناء"النفس الواحدة":"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً" (1) ."وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ" (2) فالأمر الأول موجه إلى المؤمنين ليدخلوا في السلم كافة ، ذلك بأن يسلموا أنفسهم كلها لله ، فيسود السلام بينهم وبين فطرتهم ، وبينهم وبين الكون من حولهم ، وبين بعضهم وبعض ، وبذلك يصبحون الأمة الراشدة التي تشرف على بقية البشرية:"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (3) الأمة التي تجعل من نفسها المثال الذي تترسمه البشرية ، فأولى بها أن تكون ترجمة صادقة لمفهوم القرآن ، وتكون خالصة لله . والأمر الثاني يحدد العلاقة بين هذه الأمة المؤمنة وغيرها من الناس . فإن جنحوا للسلم ، إن امتنعوا عن العدوان ، وأطلقوا الحرية للدعوة إلى الله بينهم ، تاركين الناس لحرية اقتناعهم ، فالأمر للمسلمين أن يجنحوا هم كذلك للسلم ، وقد باتت الأبواب مفتوحة أمامهم لمزاولة الدعوة إلى دين الله في الأرض ، بلا حاجز من سلطة تحول بينهم وبين الناس ، وإقامة نظام الله في الأرض بلا مانع من سلطة تحول بينهم وبين إقامة شريعة الله ، ليسود السلام كل الأرض ، تحقيقًا لأخوة البشرية في صدورها من"نفس واحدة". فأما حين يقع العدوان على دعوة الله أو على المسلمين ، أو على النظام الإسلامي ، في صورة من صور العدوان ، سواء بالوقوف

(1) سورة البقرة [ 208 ] .

(2) سورة الأنفال [ 61 ] .

(3) سورة البقرة [ 143 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت