الصفحة 17 من 291

لقد كانت الحياة من قبل هادئة رتيبة بطيئة آسنة .. تمر بمتاعبها وملاعبها على وتيرة واحدة في القرية أو الإقطاعية .. الفلاحون يعملون في الأرض أرقاء أو طلقاء ، وزوجاتهم في المنازل يدبرن شئونها ويغزلن الغزل ليبعنه في السوق .. والأسرة - في صورتها تلك - مكينة الروابط ، لا يفكر أحد أو يجرؤ على تفتيت روابطها . والناس متعارفون على مفهوم معين للدين والأخلاق والتقاليد ، يرعونه حق رعايته أو لا يرعونه ، ولكنهم لا يفكرون في مناقضته حتى ولو خالفوا تعاليمه في سلوكهم الواقعي . ولكل شيء من ذلك قداسة . قداسة استمدها من طول الممارسة وثباتها ، فوق استمدادها من رهبة الدين .. والجريمة الخلقية يرتكبها نفر من الشبان الطائشين لأنهم طائشون .. وقد يتغاضى عنها"المجتمع"ولكنها في نظره جريمة . والفتيات لا يرتكبن هذه الجريمة لأن سمعتهن تذهب إذن إلى الأبد - كذلك تقضي مفاهيم المجتمع - فهناك الفضيحة وهناك العار .. وهناك أيضًا - في هذه الحالة - رهبة الدين .. فلا تقدم الفتيات عليها إلا فلتة عابرة في القرية في كل جيل .

وفجأة أخذت الأمور تتغير ..

فالمصانع الجديدة تجمّع حولها الشبان الأقوياء المفتولي العضلات .. الذين يقدرون على الجهد العضلي العنيف فقد كانت الآلات في منشئها تحتاج إلى مثل هذه الجهد لإدراتها . وقد جاء هؤلاء الشبان إلى المدينة أفرادا بلا أسر ، يرتادون الطريق ويمارسون هذه التجربة الجديدة ، لا يجرؤون على إحضار أسرهم معهم قبل أن يستقر لهم المقام .

وهم شبان مغامرون .. انفلتوا من"القيد"الإقطاعي .. الذي كان يكبلهم بالأرض ، والمذلة للسيد ، فجاءوا يمارسون"الحرية"في المجتمع الجديد .

وهو مجتمع لا يعرفهم .. لا يعرف ذواتهم . إنهم في أغمار مجهولون ، لا يحفلهم أحد ، ولا يتقيد سلوكهم بمعرفة الناس لهم ، واستحيائهم هم من الناس الذين يعرفونهم ، ويعرفون أسرهم ويعيّرونهم بالسلوك المنحرف ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت