والروعة التي يحسها الإنسان إزاء الكون .. الكون الهائل ، والكون الدقيق . الأجرام المروعة في ضخامتها ، والدقة المعجزة في تفصيلاتها وجزئياتها وتنظيماتها ودورة أفلاكها .
والموت .. الذي يروع الحس البشري ويلجئه للبحث عن واهب الحياة .
وروعة حدوث الأحداث: الليل والنهار ، والزمان والمكان ، والموت والحياة ، والصحة والمرض ، والغنى والفقر ، واللذة والألم والسعادة والشقاء .. الخ
كلها توقيعات يوقعها الكون على الحس البشري ، فتوقظ فطرته إلى الله ! (1)
والإسلام يقيم نظامه كله على هاتين الحقيقتين المتقابلتين: حقيقة وجود الخالق وحقيقة توجه الفطرة إليه .
فهو يمنح الإنسان عقيدة في الله ، تلبي فطرته المتوجهة إلى الله ، وتصحح الفطرة وتقومها من ضلالها إن ضلت عن حقيقة الله . عقيدة تلبي حاجة الإنسان الفطرية إلى الله . وحاجتها الفطرية إلى عبادته . وحاجتها الفطرية إلى التعرف على مركزها من الحياة والكون ، وعلى حقيقة الصلة بينها وبين الله .
وعقيدة - من ناحية أخرى - تنظم حياة الإنسان ، بمقتضى عبوديته لله وحاكميه الله له ، فتجعل التشريع كله والنتظيم ، مستمدا من العقيدة ، مرتبطا بها متعلقا بعبادة الله . (2)
وعقيدة - من ناحية ثالثة - تجعل التشريع والتنظيم متمشيا مع فطرة الإنسان ، في الثبات والتغير على السواء ! ومن ثم تلتقي العقيدة بالفطرة في كل اتجاه .
والنظم التي خرجت على تلك الحقيقة الأزلية ، ماذا صنعت ببني الإنسان ؟!
لقد صنعت بهم شرورا كثيرة ..
استعبدتهم بعضهم لبعض .. في حدود"الوطن"الواحد ، وفي حدود العالم الكبير !
"فالطبقة الحاكمة"كما تعترف المذاهب كلها ، تشرع لنفسها ولمصالحها على حساب بقية الطبقات . أي أنها تتأله على حساب الآخرين ، وتستعبد الآخرين لحسابها ألوانا من الاستعباد .
(1) انظر فصل الدين والفطرة في كتاب الدراسات .
(2) انظر كتاب"هذا الدين"وكتاب"المستقبل لهذا الدين".