والعبادة لفظ شامل واسع محيط . إنه ليس شعائر التعبد المحصورة المحدودة . ولكنها كل شيء . هي عمل العباد كله . فالعباد مخلوقون للعبادة . أي أن كل عملهم الذي يعملون مفروض أنه عبادة . ومن ثم يلتقي العمل بالشعائر التعبدية ويصبحان شيئًا واحدًا في عرف الإسلام .
وما دام هو الإله الواحد الأحد ، فمقتضى وحدانيته هو إفراده بالعبادة . فلا يعبد غيره في الأرض . وليس معنى ذلك هو المعنى الضيق المحصور ، وهو ألا يسجد الإنسان لأحد ولا يركع لأحد . فهذا المفهوم لا يناسب إلا المفهوم الضيق للعبادة المحصور في الشعائر التعبدية . ولكن العبادة بمعناها الحقيقي ، التي هي عمل الناس كله ، هي التي ينبغي أن تكون لله وحده ولا تكون لأحد غيره من الخلق . فكل العمل البشري - وهو العبادة - ينبغي أن يكون لله وحده دون شريك .
فيأكل الإنسان لله ويشرب لله ويسكن ويلبس لله . وينشط نشاطه الجنسي لله . ويملك لله . ويقاتل لله . ويبرز لله . ويحب لله ويكره لله إلخ .. الخ وذلك هو معنى العبادة لله في نطاقها الواسع .. نطاقها الحقيقي .
ومقتضى وحدانيته كذلك أن تكون له الحاكمية وله التشريع . فالحاكمية ألوهية ، وطاعة الحاكمية عبودية .. ولن يشرع إنسان للناس - من عنده - إلا أن يكون شاعرًا أن الناس ينبغي أن يطيعوه هو ولا يطيعوا سواه . أي - بمعنى من المعاني - يعبدوه ! وما دام يضع لهم عقوبات حين يخرجون على طاعته - هو - فهو يستعبدهم لنفسه ، وهم - حين يطيعونه راضين - يتعبدون له ! ويستوي أن يكون المشرع إنسانًا فردًا أو مجموعة من الناس تعطي نفسها الحق في التحليل والتحريم لبقية الناس ، وترسم العقوبات للمخالفين .. إنها تعطي نفسها حقوق الإله ، وتتطلب من الناس ما يتوجهون به إلى الله . وهو ما لا يحق لهم ما داموا ليسوا آلهة ولا خالقين ..